التقارير

واصل تراجعه أمام العملات الأجنبية،، “الجنيه” …في وجه العاصفة.. الدولار يقترب من “5000” .. اضطراب غير مسبوق.. الانهيار يفاقم أزمة المعيشة ..معاناة المواطنين..  الغلاء يرهق الأسر بالداخل والخارج ..تآكل التحويلات المالية..  جهود الحكومة فشلت في كبح جماح الانفلات ..معركة مستمرة..  تقرير: إسماعيل جبريل تيسو

واصل تراجعه أمام العملات الأجنبية،،

“الجنيه” …في وجه العاصفة..

 

الدولار يقترب من “5000” .. اضطراب غير مسبوق..

 

الانهيار يفاقم أزمة المعيشة ..معاناة المواطنين..

 

الغلاء يرهق الأسر بالداخل والخارج ..تآكل التحويلات المالية..

 

جهود الحكومة فشلت في كبح جماح الانفلات ..معركة مستمرة..

 

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..

 

يواصل الجنيه السوداني رحلة التراجع الحاد أمام العملات الأجنبية في واحدة من أسوأ المراحل التي تمر بها العملة الوطنية منذ سنوات، وسط مخاوف متزايدة من انعكاسات ذلك على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للمواطنين، وتأرجح سعر الدولار الأمريكي بين 4800 و5000 جنيه سوداني في السوق الموازية، فيما تجاوز سعر الجنيه المصري حاجز 96 جنيهاً سودانياً، الأمر الذي أثار حالة من القلق وسط الأوساط الاقتصادية والتجارية، ودفع كثيراً من التجار إلى التريث في عمليات البيع والشراء خشية التعرض لخسائر ناجمة عن التقلبات الحادة في أسعار الصرف، ويأتي هذا التراجع في ظل ظروف استثنائية تعيشها البلاد بسبب الحرب المستمرة، وما ترتب عليها من تراجع في النشاط الاقتصادي وتعطل قطاعات الإنتاج والتصدير، فضلاً عن ارتفاع الطلب على العملات الأجنبية لتغطية احتياجات الاستيراد وتأمين السلع الاستراتيجية.

 

حرب موازية:

وفي الوقت الذي تُعزى فيه أزمة سعر الصرف إلى عوامل اقتصادية معروفة تتعلق بضعف الإنتاج وتراجع الصادرات وانخفاض تدفقات النقد الأجنبي، يطرح عدد من المراقبين والخبراء فرضية أخرى مفادها أن ما يجري يتجاوز التفسيرات الاقتصادية التقليدية، ويرى هؤلاء أن الانهيار المتسارع للجنيه السوداني قد يحمل في بعض جوانبه ملامح حرب اقتصادية تستهدف زيادة الضغوط على السودان في هذه المرحلة الحساسة، مستندين إلى أن بعض القفزات المتتالية في أسعار العملات الأجنبية لا تبدو متسقة بالكامل مع المؤشرات الاقتصادية الفعلية أو مع حجم التغيرات التي طرأت على السوق خلال فترات زمنية قصيرة، ويشير أصحاب هذا الرأي إلى أن المضاربات التي يقودها بعض السماسرة وتجار العملات في السوق الموازية تلعب دوراً محورياً في تأجيج الأزمة، مستفيدين من حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق ومن الطلب المتزايد على العملات الأجنبية لتمويل واردات الوقود والأدوية والسلع الأساسية، كما يعتقد مراقبون أن استمرار المضاربات وغياب الرقابة الفاعلة على الأسواق المالية غير الرسمية يسهمان في خلق موجات متتالية من الارتفاعات السعرية التي تتجاوز أحياناً الأسس الاقتصادية الحقيقية، وهو ما يفاقم الضغوط على الاقتصاد الوطني ويضعف الثقة في العملة المحلية.

 

غلاء يلتهم الجميع:

ولا تتوقف آثار انهيار الجنيه السوداني عند حدود الأرقام والمؤشرات المالية، بل تمتد مباشرة إلى حياة المواطنين اليومية، حيث تتزايد أسعار السلع والخدمات بصورة شبه يومية، بينما تتآكل القوة الشرائية للأسر التي أنهكتها الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل، وباتت العديد من الأسر السودانية عاجزة عن مجاراة موجات الغلاء المتلاحقة، إذ ارتفعت أسعار المواد الغذائية والدوائية ووسائل النقل بصورة كبيرة، ما دفع كثيراً من المواطنين إلى تقليص نفقاتهم الأساسية والبحث عن بدائل أقل تكلفة لتأمين احتياجاتهم المعيشية، كما تتفاقم معاناة آلاف اللاجئين السودانيين في دول الجوار الذين يعتمدون بصورة رئيسة على التحويلات المالية عبر ( التطبيقات البنكية) القادمة من ذويهم وأقاربهم، إذ يؤدي الارتفاع المستمر في أسعار العملات الأجنبية إلى زيادة تكلفة الحياة اليومية بصورة متواصلة، ما يجعل تلك التحويلات عاجزة عن تغطية الاحتياجات الأساسية من غذاء وسكن وعلاج وتعليم.

 

جهود حكومية:

وفي مواجهة التدهور المتسارع للعملة الوطنية، كثفت الحكومة السودانية وبنك السودان المركزي خلال الفترة الماضية حزمة من الإجراءات والسياسات الرامية إلى كبح جماح سوق النقد الأجنبي واستعادة الاستقرار لسعر الصرف، ومن أبرز هذه الخطوات دخول الحكومة بصورة مباشرة في استيراد المشتقات البترولية بهدف تقليل الطلب على العملات الأجنبية في السوق الموازية والحد من المضاربات التي ظلت تقودها بعض الشركات المستوردة، إلى جانب إصدار قرارات بحظر استيراد عدد من السلع الكمالية وغير الضرورية لترشيد استخدام النقد الأجنبي وتوجيهه نحو السلع الاستراتيجية، كما أجرى بنك السودان المركزي تعديلات واسعة على سياسات صادر الذهب، شملت السماح باستخدام حصائل الصادر مباشرة في عمليات الاستيراد وإلزام الشركات المنتجة والمصدرة بتوريد جزء من إنتاجها للبنك المركزي لتعزيز احتياطيات البلاد من العملات الأجنبية، فضلاً عن تبني حزمة من الإصلاحات المصرفية والنقدية تستهدف التحول الرقمي وإدارة السيولة ومكافحة المضاربات في الأسواق غير الرسمية، إلى جانب إلزام مؤسسات الدولة بتحصيل إيراداتها إلكترونياً عبر المنصات الرسمية في إطار جهود إحكام الرقابة على التدفقات المالية، ورغم تعدد هذه الإجراءات واتساع نطاقها، إلا أن المؤشرات الحالية تعكس فشل تأثيرها على أرض الواقع حتى الآن، إذ واصلت العملات الأجنبية تسجيل ارتفاعات متسارعة مقابل الجنيه السوداني، بينما ظل السوق الموازي اللاعب الأكثر تأثيراً في تحديد أسعار الصرف.

 

مصاعب معيشية:

وترى الكاتبة الصحفية المختصة في الشأن الاقتصادي نازك شمام أن السودانيين يواجهون اليوم حرباً أخرى لا تقل قسوة عن الحرب العسكرية الدائرة في البلاد، تتمثل في التدهور المتسارع للأوضاع المعيشية والانخفاض الكبير في قيمة الجنيه السوداني خلال الأسابيع الأخيرة، وقالت شمام في إفادتها ل(الكرامة) إن تراجع العملة الوطنية يعد أحد الإفرازات المباشرة للحرب التي أدت إلى تقلص الإيرادات العامة وزيادة المصروفات الحكومية، لا سيما تلك المرتبطة بالجوانب العسكرية والأمنية، منوهة إلى أن شركات الاستيراد باتت تُتهم بدور رئيسي في زيادة الطلب على العملات الأجنبية، خاصة شركات استيراد الوقود التي اتجهت للحصول على النقد الأجنبي من الأسواق غير الرسمية، الأمر الذي ساهم في ارتفاع سعر الدولار من نحو 3600 جنيه إلى ما يقارب 4700 جنيه خلال فترة وجيزة، مبينة أن هذا الارتفاع الحاد انعكس بصورة مباشرة على الأسواق، حيث أوقفت شركات عديدة عمليات البيع مؤقتاً بسبب عدم استقرار أسعار العملات الأجنبية وخشيتها من التعرض لخسائر كبيرة، في وقت لا يزال فيه القطاع الخاص يحاول التعافي من الخسائر التي لحقت به منذ اندلاع الحرب، وأكدت شمام أن المواطن السوداني أصبح يواجه موجة غير مسبوقة من الغلاء الفاحش، دفعت مئات الأسر إلى تقليص استهلاكها الغذائي والاكتفاء بوجبة رئيسة واحدة يومياً لتقليل النفقات ومواكبة الارتفاعات المستمرة في الأسعار، ولفتت إلى أن تداعيات الأزمة امتدت كذلك إلى السودانيين المقيمين في الخارج، خاصة في مصر، حيث بلغ سعر الجنيه المصري نحو 96 جنيهاً سودانياً، مع حالة من الارتباك التي صاحبت عمليات التحويل عبر التطبيقات البنكية والكاش نتيجة التقلبات السريعة في أسعار الصرف، الأمر الذي ضاعف من معاناة آلاف الأسر السودانية اللاجئة.

 

خاتمة مهمة:

ومهما يكن من أمر.. فإن التطورات الأخيرة في سوق الصرف، تكشف عن حجم التحديات الاقتصادية التي تواجه السودان في ظل استمرار الحرب وتراجع النشاط الإنتاجي وارتفاع الطلب على العملات الأجنبية، ورغم تتباين التفسيرات حول أسباب الانهيار المتسارع للجنيه السوداني، تبقى النتيجة واحدة: مزيد من الضغوط على المواطن السوداني الذي يدفع الثمن الأكبر، الأمر الذي يدعو ( حكومة الأمل) إلى تجاوز الاجتماعات وتشكيل اللجان والعمل فوراً على تبني إصلاحات اقتصادية عاجلة تعيد الاستقرار إلى الأسواق وتوقف تدهور العملة الوطنية، بما يخفف من معاناة الملايين الذين أصبحوا يخوضون معركة يومية من أجل تأمين أبسط مقومات الحياة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى