الأعمدة

*وجع ضُرس*  *عبد الكريم محمد فرح*  قهرُ الرِجال

*وجع ضُرس*

*عبد الكريم محمد فرح*

قهرُ الرِجال

كانت اللحظةُ عند مدخل السفارة السودانية بالقاهرة أشبه بجرحٍ مفتوح في قلب المدينة، صوتُ بكاءٍ شقّ الهواء، لم تكُن مجرد دموع، بل إنهيار رجلٍ بالكامل (وما ادراك ما قهر الرجال)

كان الأب، ياسين علي عبد الشكور، رجلٌ في بداية الستينات، يحتضن ابنتيه وكأنه يخشى أن تُنتزعا منه مرةً أخرى في أية لحظة، كأنما يحاول استعادة ما سُلب منهما، أو ربما ما سُلب منه هو وكأن حضنه هو الشيء الوحيد الذي بقي لهما من الأمان. يجهشون بالبكاء، تشاهدهم والرهبة تحيطنا إحاطة السوار بالمعصم.

عُزاز وفاطمة ،،

إسمان خفيفان على اللسان، لكن قصتهما أثقل من أن تُحكى، لم تبلغا الثامنة عشر، وبدلاً من أن تكونا اليوم في قاعة امتحان تكتبان مستقبلهما على ورق الشهادة السودانية، تتوتران من سؤالٍ صعب، وتبتسمان لسهولة أخر.

لكن الحياة بدّلت الأوراق، فبدلًا من قلمٍ ودفتر، حملتا خوفًا لا يُحتمل.

لم تهربا بحثًا عن حياة أفضل، بل هربتا من جحيم الحرب والنزوح وويلاتها ووجعٍ ينهش البيت، وأمٌّ تصارع سرطان الثدي، وأملٌ ضعيف في العلاج كان ينتظرهما هنا بالقاهرة.

سلكتا طريق التهريب، طريقًا مليئًا بالظلام، لا لأنه اختيار، بل لأنه لم يكن هناك خيار آخر، لكن حتى هذا الأمل لم يكتمل ..

عند باب المنزل في ضاحية الجيزة، انتهت الرحلة وبدأ الكابوس، تم القبض عليهما، لا كيافعتين خائفتين، بل كمن ارتكبت ذنبًا لا يُغتفر.

من قسم ثالث اكتوبر إلى قسم الشيخ زايد، كانت الرحلة بين الجدران أبرد من أي ليل، وأقسى من أي انتظار.

وجوه غريبة، أبواب تُغلق، وأصوات مفاتيح تُعلن كل مرة أن الحرية بعيدة.

عشرون يومًا داخل عربات السجون، عشرون يومًا كأنها عمرٌ كامل، تجلسان جنبًا إلى جنب، لا تملكان سوى أيدٍ ترتجف، تكسوها سلاسل القيد وعيونٍ تبحث عن شيءٍ مألوف فلا تجد…

تتساءلان: هل سنعود؟ هل سنرى أمّنا؟ هل سنُمتحن يومًا مثل باقي البنات؟

لكن لا توجد إجابة .. فقط صمتٌ ثقيل، وخوفٌ أكبر، وحين التقاهما والدهما لم يكن اللقاء فرِحاً، بل كان بكاءً يفيض من قلبٍ لم يعد يحتمل.

بكى لأنه لم يستطع حمايتهما، بكى لأن الطفولة سُرقت منهما أمام عينيه، بكى لأنهما كانتا يجب أن تحملان كتبًا، لا ذكرياتٍ كهذه.

 

فتاتان كانتا تنتظران امتحان الحياة، فامتحنتهما الحياة نفسها، بقسوةٍ لا تليق حتى بالكبار.

 

إنها ليست قصة تُروى … إنه وجعٌ يُعاش، تتجسد فصوله عند مدخل بوابة السفارة السودانية بالقاهرة.

الصورة

 

عند مدخل السفارة السودانية بالقاهرة ،، بحرُ أحزانٍ ومنفى وحنينُ الغابرين إلى الرجوع.

إنتهى ..

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى