
ود الريس .. ومذكرات الريس نميري
قرأتُ مقالكم أستاذي الجليل الأمير جمال عنقرة بعيون مفعمة بالتقدير، وعقل مشغوف بالتاريخ، وقلب ممتن لذلك القلم الذي لا يزال وفياً لذاكرة وطن، وناطقاً بحقائق غابت أو غُيّبت عمدًا عن الأجيال الجديدة.
لقد جاء المقال – كعادته – مشبعًا بالصدق، مشحونًا بالرمزية، ومتّكئًا على سردية دقيقة متماسكة تنهل من معين التجربة لا التهوين ولا التهويل. وما خطّه قلمك أستاذنا في فجر التاسع من يونيو 2025 لم يكن مجرّد توثيق شخصي لتجربة، بل كان بعثًا جديدًا لذاكرة وطنية تحتاج – في هذا الزمن المرتبك – لمن يضيء جوانبها المعتمة.
بين التاريخ والوعي الوطني
أعجبني بشدة كيف تمكّنت أستاذي من التقاط لحظة تاريخية فاصلة (بيان 9 يونيو 1969)، وسحب خيوطها لراهننا السوداني المأزوم، رابطًا بين العقلية التي قادت إلى أديس أبابا 1972، وبين غيابها الذي فتح الباب لنيفاشا 2005 بكل ما حملته من نكبات. إنها مقارنة ذكية تؤكد أن السلام الحقيقي يحتاج أكثر من توقيع، يحتاج عقلًا وضميرًا وإرادة، وهي صفات امتلكها النميري، رحمه الله، وفقدها كثيرون ممن جاؤوا بعده.
القصة خلف القصة فالجانب الإنساني الذي أفاض به المقال – بدءًا من لحظة البشارة إلى تفاصيل الحوار مع الرئيس الراحل، ثم علاقك بأفراد أسرة الرئيس الراحل النميري – يكشف عن مهنية نادرة، لا تسكنها فقط عاطفة الصحفي، بل أيضًا وفاء الوطني الصادق. وعبارة “هذه بضاعتكم رُدَّت إليكم” لم تكن مجرد تسليم فلاش، بل كانت تسليم راية، واعتراف أخلاقي بحق رجل في مشروع ظل أمينًا له عقودًا طويلة.
❖ نميري بين النص والنبض
العبقرية الأخرى في المقال تكمن في ربط فكر نميري، لا فقط بشخصه، بل بمشروع وطني له امتداد زماني ومكاني. إعادة إحياء مذكرات الرئيس نميري ليست ترفًا توثيقيًا، بل هي ضرورة حيوية في هذا المفصل من تاريخ السودان. وحين استعرضت علاقة الجيش بالسلطة كما رآها نميري، بدا وكأن النص يتحدث إلينا نحن، أبناء اللحظة، وكأن التاريخ لا يزال يرسل لنا إشاراته لنستيقظ قبل أن يُغلق الباب.
❖ تحية واجبة
في زمن عزّ فيه الصدق، وتكاثرت فيه الأقلام المتلونة، يظل قلمك استاذي الأمير جمال عنقرة من تلك الأقلام القليلة التي تحترم الذاكرة، وتؤمن بقداسة الحقيقة، وتدرك أن من لا يحترم تاريخه لن يصنع مستقبلًا. فلك مني أطيب التحايا، وأصدق الدعوات أن تواصل أداء هذا الدور الرسالي، الذي قلّ من ينهض به.
وبين “هكذا تكلم جعفر نميري” و”هكذا يكتب جمال عنقرة”، ترقد شرايين الوعي الحي، وتتشكل نواة مشروع وطني يعيد إلى السودان توازنه المنشود.
اشرف الريس