
يا زمان الوصل
حصاد الألسن
عبدالله مسعود
فى منتصف عام ١٩٧١م تم تعيين مجلس جديد لإدارة نادى الهلال بعد حل المجلس المنتخب الذى كان يرأسه السيد / صالح محمد صالح. كان المجلس المعين برئاسة السيد / حمدنا الله أحمد حمدنا الله “عضو مؤسس ولاعب” وهو من أطلق على عشقنا إسم الهلال فى الإجتماع التاريخى الذى عقد بمنزله بالملازمين فى ٢٢ فبراير ١٩٣٠م وضم تسعة عشر عضواً ولاعباً. كان المجلس المعين، إلى جانب الرئيس يتكون من أحد عشر عضواً هم السادة: إبراهيم صالح – عمر على حسن – عبدالله السمانى – أبوبكر سرور – سبت دودو – ياسين جلي – علي أحمد طه – مروان الفاضل – حمزة عثمان الكوارتي – عبدالله مسعود – سورين إسكندريان.
في أول إجتماع لمجلس الإدارة وجه الرئيس حمدنا الله أحمد الدعوة لإثنين من المجلس الذي تم حله واللذين ضمتهما اللجنة التي أوكل إليها ترشيح المجلس الذي نحن بصدده وأجازته الوزارة، وأعني بذلك السيدين عبدالله رابح السكرتير السابق وحسن عبدالقادر الحاج نائب الرئيس السابق.
إبتدر الحديث السيد/عبدالله رابح قائلا: نحن نعلم أنكم شبان متحمسون وتعشقون الهلال، ولكن ربما يأتي الحماس بما لا يحمد عقباه ولا يستسيغه العقل والمنطق؛ لذا فقد عمدنا إلي فرملة حماسكم بإختيار رئيس وبعض الأعضاء من “الدقة القديمة” يستطيعون كبح جماح إندفاعكم في حكمة وإتزان. تلاه على نفس النسق السيد/حسن عبدالقادر الحاج والسيد عبدالله السماني وهو العضو الوحيد من المجلس السابق الذي أختير لعضوية المجلس الجديد.
غادر المدعوان الجلسة ليباشر المجلس أعماله فكانت الجلسة الأولي لتوزيع المكاتب ووقع الإختيار على السيد/عبدالله السماني ليكون سكرتيراً وناطقاً رسمياً بإسم الهلال.
قضينا الأشهر الأولي وكأننا مقدمون علي ثورة عارمة لتغيير المفاهيم وإحداث نقلة أو طفرة في العمل الإداري بنادي الهلال. كنا معجبين بذواتنا نحن شبان ذلك المجلس ولكن دون خيلاء. أما الغرور فذلك شئ لم نقارفه ولم نطف به. كنا نكثر الكلام والنقاش كعادة الشباب. كان أقلنا كلاماً “الدقة القديمة” خاصة سيادة الرئيس، فإذا تحدث كان ذلك لماماً أو في ختام الأجندة ليوجز ما عجزنا أن نقول به أو نقترحه. فإذا وافقنا وجد ما تحدث به طريقه إلي مضابط الإجتماع كقرار. كان خفيض الصوت، كثير التوقير لإخوته وأبنائه أعضاء المجلس، جم التواضع في عزة نفس، وكبرياء لا يخالطه كبر، تتدفق الحكمة من جوانبه وينسكب المنطق من نواحيه؛ ومع ذلك يستأذننا أحيانا أن نستضيف زيداً أو عمرواً لحضور إجتماع ما، ليقينه أن ذلك الشخص سيثري النقاش بخبرته وآرائه ومقدرته على الوصول للب المشكلة وتفتيت ذراتها. لذا أعتدنا أن نري في إجتماعاتنا الأقطاب عبدالله رابح وصالح محمد صالح وحسن عبدالقادر الحاج الذين أفدنا منهم كثيرا. تعلمنا من “الدقة القديمة” حسن الإستماع، القول بما يفيد والإيجاز فيه، التواضع والبعد عن النرجسية، التضحية والبذل، التحلي بالموروثات، نكران الذات وخدمة الكيان بمنأى عن الأنا والكثير الكثير الذي يعجز الخيال في إستحضاره وتصوره.
أول مشكلة واجهتنا هي أن نتخذ قراراً بشطب كابتن الهلال والفريق القومي أمين زكي..أي نعم أمين زكي بشحمه ولحمه. لم يأخذ القرار منا كثير
وقت ووافقنا على شطبه. لقد تلقينا إلتماساً في سبتمبر ٧١م من إخوتنا بنادي الأهلي المصري بأن نتنازل لهم عن اللاعب أمين محمد زكي الذي قدم إلي مصر لحضور دورة عسكرية مدتها ستة أشهر (بمقابل) وأن يعيدوه لنا بعد إنتهاء مهمته العسكرية كضابط في قوات الشعب المسلحة. رددنا عليهم مرحبين دون مقابل ودون أي شرط مع تمنياتنا له بالتوفيق والسداد مع إخوته في فريق الأهلي.
قبل أن تنتهي مدة الإعارة، ونسبة للمستوى الرفيع الذي قدمه نجم النجوم مع فريق الأهلي، قرر الفريق أول عبدالمحسن كامل مرتجى رئيس النادي الأهلي، منح جميع أعضاء مجلسنا العضوية الشرفية بالنادي الأهلي مدى الحياة. (كنت أحتفظ ببطاقة العضوية ثم ضاع الأمس مني وضاعت معه العضوية). كانت علاقتنا بالأهلي علاقة أخوة منذ سالف الدهر، ولعل الأخ عثمان عبد الرحمن يعقوب وسورين إسكندريان وكيشو كانوا معروفين لدي منسوبي الأهلي.
كان رؤساء الهلال في زماننا موظفين. كان صالح محمد صالح مديراً للبنك الزراعي وخليفته حمدنا الله أحمد حمدنا الله – محاسبا بوزارة الأشغال وأتى بعده عمر علي حسن – ضابط بوليس وأعقبه أحمد عبدالرحمن الشيخ – مدير إدارة ببنك السودان ثم الطيب عبدالله – وكيل وزارة وهو الوحيد “المريش”؛ فوالد الطيب (عبدالله محمد علي) كان سر التجار في مدينة الدويم وبعد كدا المسألة جاطت “جوطة مرا كبيرة”.
لم تكن الإدارات مسؤولة عن التمويل فالنادي كان بمثابة مؤسسة خدمية عامة تمول بواسطة حملة الأسهم وهم حاملو بطاقة العضوية أو حتى دون أن يكونوا من حملة العضوية ما داموا يساهمون في التمويل، كل حسب طاقته وما وسعه جهده؛ إلا أن الجمعية العمومية لإنتخاب الإدارة فحكر على حملة بطاقات الإنتساب بالطبع. لم تكن هنالك تنظيمات أو تكتلات أو تحزبات، إذ كان الهدف واحداً وهو خدمة الكيان. كان الهلاليون المقتدرون يدفعون بسخاء دون من. كان الجمهور لا يعرفهم ولا يحبون أن يعرفهم كممولين، فهم يعافون الشهرة. الواحد منهم ببر خفي صموت. ولعلي لأول مرة أبوح بأسماء لم ابح بها من قبل لأشخاص أعرفهم كجوع البطن، أفنوا زهرة عمرهم في خدمة الهلال والتبرع له. منهم محمد علي زروق – حسن قنجاري – حسن يحيى الكوارتي – حاج أحمد أبو زيد – محمود عبداللطيف – عثمان عبدالرحمن يعقوب – عوض عشيب – عبدالرحمن جادالله – عبدالرحمن صغيرون – وبالطبع الطيب عبدالله ومصطفى كمال راشد (كيشو).
غني عن القول أن الشيفونية كانت موجودة لا محالة (ناس شوفوني) ولكنهم كانوا قلة لا يقام لها وزن. كانت الجمعيات تفوز فيها الترشيحات بالتزكية لأن الهلاليين كانوا على قلب رجل واحد.
أتى بعد ذلك الفراعنة (لا أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد).لم يفطنوا إلى أن نصف رأي الشخص عند أخيه. إنفردوا بالرأي وإعتبروا النصح مهما كانت وجاهته وقيمته مدعاة للعداء. لا إحترام لرأي. (إنت مِليِّك وما عندك قروش تسكت ساي). صرفوا نعم .. لكن كان سيكون صرفهم أنفع وأجدى لو قربوا ذوي العقول بدلا من البصمجية. لقد خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا. أتوا بالمحاسيب والمراسلات وناس أمرك ياسيدي وركبوا لهم مكائن أقطاب لكن (المكائن صلّبت) وحينئذ جاطت المسألة وعارت وأدوها سوط ..
نقول بما نرى ويقضي الله بغيب ما يعلم والله من وراء القصد.
كسرة يا بو علي: أما كيف تسنم رؤساء الغفلة، رؤساء الزمن الأغبر (الذين يذكروننا بقرب قيام الساعة) كيف تسنموا قواعد المجد؛ فذلك هم آخر يحتاج لمزاج رايق بعد تناول زجاجة سبعة فوق (7up) بالحجم العائلي مع أنني لا أتعاطاها ولم أشربها منذ عقد من الزمان.
حاشية:
رحم الله من غادرنا إلي دار الخلود وبارك الله فيمن ينتظر.