
17 مارس.. ذكرى الميل 40، ومعركة بدر، وإنتصارات الكرامة
توافق المواقيت … معركة الكرامة بين بدر والميل الأربعين
بقلم/ د.م. عبدالماجد منصور
عجيبٌ هو التاريخ حين يُعيد نفسه، والأعجب منه أن تتكرر السنن في الأيام ذاتها، والأحداث ذاتها، والمواقف ذاتها، وكأنما الزمن يدور في حلقة محكمة، لا تترك للباطل فرصة أن يستقر أو للحق أن يُهزم.
اليوم الاثنين، 17 رمضان 1446 هـ الموافق 17 مارس 2025، تدور معركة فاصلة في محيط القصر الجمهوري بالسودان، معركةٌ لا تشبه غيرها إلا من حيث سنن الصراع الأبدي بين الحق والباطل، لكنها تلتقي عجباً في التوقيت والأحداث والنتائج مع محطات تاريخية خالدة:
– غزوة بدر الكبرى (الإثنين، 17 رمضان، العام الثاني للهجرة) حيث انتصرت الفئة القليلة المؤمنة على جيش االمشركين المتجبر.
– معركة الميل الأربعين (الإثنين, 17 مارس 1997) حيث كسر 120 مقاتلاً فقط وبأسلحة بسيطة وخفيفة شوكة جيش ضخم جرار مدجج بالسلاح.
– واليوم ( الإثنين 17 رمضان 1446ه الموافق 17 مارس 2025) … معركة تحرير القصر الجمهوري التي تدور رحاها الان، حيث يخوض الجيش السوداني، مدعوماً بشعبه، حرب الكرامة ضد مليشيا آل دقلو الإرهابية المدعومة إقليمياً ودولياً، والتي لم تكتفِ بقتل الأبرياء ونهب الأموال، بل استباحت الأعراض وأرادت تمزيق السودان.
كل هذه المعارك بدت في لحظاتها الأولى كأنها حكمٌ محتومٌ بهزيمة القلة وضعفها، لكنها انتهت بما لا يتوقعه إلا من يعرف سنن الله في الصراع بين الحق والباطل، نصرٌ يليق بالمؤمنين الصابرين، وانكسارٌ يليق بالطغاة المتجبرين.
بدر… معركة الفرقان الأولى:
في صبيحة يوم الاثنين، 17 رمضان من العام الثاني للهجرة، خرج النبي ﷺ ومعه 313 رجلاً فقط، لم يكن معهم سوى فرسين و72 بعيراً يتعاقبون عليها، لم يكونوا في نيتهم الحرب، بل خرجوا يطلبون عير ابي سفيان، ولكن الأقدار ساقتهم إلى مصير أعظم، ليقضي الله امر كان مفعولا: معركة الفرقان الفاصلة بين الإسلام والجاهلية.
أما قريش، فقد خرجت مغرورة بألف مقاتل، مدججين بالسلاح والعتاد، ظانين أن هذه القلة المؤمنة لن تصمد أمام سيوفهم وسيسحقونها تحت سنابك خيولهم. لكن المعادلة لم تكن عسكرية فحسب، فحين تتدخل الإرادة الإلهية، تختل كل موازين القوى البشرية.
ثبت المسلمون رغم شدة القتال، فأيدهم الله بجنود من السماء، ونزل النصر كما وعد.
“إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ” (الأنفال: 9).
انهزم الباطل رغم كثرته، وانتصرت الفئة القليلة التي آمنت بالله ونبيه.
معركة الميل الأربعين… حين كُسر غرور القوة:
معركة الميل أربعين- بيعة الموت
مرت السنوات، لكن السنن لم تتغير، ففي يوم الاثنين ذاته من مارس 1997، كانت معركة أخرى، ليست في بدر، بل بقعة اخري من ارض الله الواسعة علي بعد ٤٠ ميلا من مدينة جوبا.
في هذه المعركة، لم تتنزل الملائكة من السماء لكن تنزلت السكينة والثبات علي قلوب المجاهدين بعد ان تبايعوا علي الموت، لقد كانوا 120 مقاتلاً فقط، جلهم دون الاربعين، بأسلحة خفيفة، في مواجهة جيش ضخم مدجج بالعتاد الحديث والدبابات. رصدت له الاقليمية والدولية آنذاك كل الدعم المادي. بدا كل شيء وكأنها حرب خاسرة مقدماً، تماماً كما بدت بدر في بدايتها، لكن من يعرف أن الإيمان والعقيدة تصنعان الفرق، لا يهاب الأعداد.
بدأت المعركة، واستعرت النيران، وأحاطت الجيوش بالمجاهدين، وتقدمت الدبابات وتقدم نحوها الدبابين، وانهمر الرصاص عليهم من كل جانب فقابلوه بصدور عارية، لكن شيئاً ما لم يكن في حسبان العدو:
فحين تقاتل من أجل قضية عادلة، فإن روحك تصبح أقوى من أي مدفع. وحين يقف الباطل على أرض زائفة، فإنه ينهار أمام ثبات أهل الحق.
وكما حدث في بدر، انقلبت الحسابات، وتشتت العدو، ودمرت الدبابات، وارتقي لله شهداء جل هذه الفئة المؤمنة وتحقق النصر للفئة القليلة المؤمنة.
معركة القصر الجمهوري – معركة الكرامة السودانية:
واليوم الإثنين أيضا، في 17 رمضان 1446 هـ – 17 مارس 2025، يدور مشهدٌ ثالث في مسرح التاريخ، حيث يخوض الجيش السوداني معركة تحرير القصر الجمهوري من قبضة مليشيا آل دقلو الإرهابية، التي استباحت السودان وقتلت الأبرياء، ونهبت أموال الشعب، واغتصبت النساء، ودمرت البلاد.
امتلكت هذه المليشيا كل اسباب القوة المادية، فهي لم تنشأ من فراغ، بل تم دعمها إقليمياً ودولياً، وتم تسليحها بأحدث المعدات، ووُعدت بأنها ستسود السودان كأمراء حرب، لتؤسس مملكة ال دقلو، لكنها تناست دروس التاريخ:
القوة لا تحسم المعارك دائماً، العقيدة تفعل. والطغيان مهما بلغ مداه، لا يصمد أمام عزيمة وإرادة الشعوب المؤمنة. وكل جبروت ينهار عندما يقف في وجهه رجال يحملون الحقة ولا يخافون فيه لومة لائم.
فاليوم، كما في بدر، وكما في الميل الأربعين، يقف الحق على مشارف النصر، والباطل على شفا الهزيمة.
التوافق الأعجب في الايام والتواريخ والبدايات والنهايات بشارة النصر المبين:
إذا تأملت في هذه المعارك الثلاث، ستجد توافقاً يثير الدهشة:
– التوقيت ذاته: كلها وقعت يوم الاثنين، وكأنما الأيام المباركة تصطف دائماً إلى جانب الحق.
– البداية ذاتها: الفئة الباغية غرور وتكبر واعتزاز بالقوة المادية وضمان النصر حتي قبل بداية المعركة
– العدد ذاته: الفئة القليلة التي لا تملك سوى الإيمان والعزيمة تقف أمام الجيوش الجرارة.
– العدو ذاته: قوة متجبرة مغرورة بقوتها، تظن أنها ستسود، لكنها تسقط أمام صلابة المقاومين.
– النهاية ذاتها: رغم قلة العدد، وضعف العتاد، يأتي النصر من حيث لا يحتسب الطغاة. “وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين”.
ومعركة اليوم ليست مجرد معركة عسكرية، بل هي حلقة جديدة في الصراع الأبدي بين الطغاة والأحرار، بين من يحاولون نهب الأرض والكرامة، ومن يقاتلون لاستعادتها.
وكما انتصر المسلمون في بدر، وصمد المجاهدون في الميل الأربعين، فإن السودان اليوم يقف على أعتاب نصر جديد، ليس فقط لأنه يمتلك جيشاً شجاعاً، بل لأنه يمتلك قضية عادلة، وشعباً صامداً، وإيماناً بأن الله لا يخذل الحق أبداً.
ويبقى السؤال: أيها الطغاة، ألم تتعلموا بعد أن كل استعلاءكم زائل، وكل ظنكم بأنكم القوة المطلقة ليس إلا وهماً