التقارير

ضُل الغيمة

الرياض والخُرطوم شراكة مُتزِنة في محيط مُضطرب

كتب : الفاتح بهلول

ما تشهده منطقة الخليج العربي في لحظات مشحونة بالتوترات حيث تتصاعد الصواريخ ويعلو صوت التهديد المباشر لا تبدو المواقف مجرد ردود أفعال آنية بل أحسب أنها اختبارات حقيقية لعمق العلاقات، وبينما تتجه الأنظار إلى الاعتداءات التي تستهدف المملكة العربية السعودية يبرز موقف السودان بوصفه انعكاساً لوعي إستراتيجي يُدرك أن ما يمسّ الرياض اليوم قد يمتد أثره إلى الخرطوم غداً ، في معادلة أمنية لا تحتمل الحياد ولا تقبل الإلتباس بالتالي لا يمكن لإيران أن تقصف المملكة العربية السعودية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة علاوة على تهديدها لمواقع حيوية، أن يدفع السودانيين إلى التعاطف معها كردّ فعل على ما تعرّض له السودان من قتل و نهب و تهجير الذي دعمته و أشرفت علية دويلة الشر وكيل الصهيونية بمنطقة الخليج ، فالعلاقة التي تجمع الشعب السوداني بالشعب السعودي أعمق بكثير من أي روابط عابرة أو مصالح مؤقتة يتجسد فيها المثل السوداني القائل ” يربطنا خيط و يقطعنا سيف “، فهي علاقة متجذّرة في الشوهد التاريخية “كسوة الكعبة و أبار علي ” فوق كل ذلك علاقة الدين والمصير المشترك .

 

إن أي محاولة لإلحاق الضرر بالمملكة تمثّل تهديداً مباشراً للسودان بحكم روابط الجوار التاريخي والتكامل الاستراتيجي بين البلدين ، و حرص ولي العهد محمد بن سلمان على تعزيز هذه العلاقة ورعايتها من خلال مواقفه الواضحة والصريحة التي تدعم استقرار السودان و وحدته، في وقت تعرّض فيه لضغوط ومحاولات تفتيت من أطراف إقليمية يعلمها القاصي و الداني .

 

وفي هذا السياق فإن الرهان على إيران لا يخدم السودان في شيء، لا سيما في ظل ما يواجهه من تحديات وجودية فقد سبق للسودان أن أقام علاقات مع طهران خلال حقبة سابقة، دون أن يحقق ذلك مكاسب حقيقية تُذكر علاوة على أن الخطاب الإيراني، الذي يرفع شعارات الدفاع عن القضايا العربية، يُثير تساؤلات مشروعة حول مواقفه في لحظات مفصلية، خاصة تجاه القضية الفلسطينية في الوقت الذي تموت فيه غزة في اليوم الف مرة .

 

في المقابل تمثل المملكة العربية السعودية شريكًا استراتيجي حقيقي للسودان، ليس بحكم الثقل السياسي والاقتصادي و حسب ، بل لما يجمع البلدين من قواسم مشتركة راسخة، في مقدمتها البحر الأحمر، وخدمة الحرمين الشريفين، وتاريخ التعاون الممتد في هذا الجانب فضلاً على ملايين السودانيين الذين عملوا ويعملون في المملكة أسهموا بدورهم في بناء جسور إنسانية واجتماعية متينة بين الشعبين و هذا بدوره يجعلنا بأن لا نغفل عن الدور السياسي الذي لعبته القيادة السعودية في دعم استقرار المنطقة، وسعيها إلى احتواء الأزمات عبر الحلول الدبلوماسية وقد انعكس ذلك في مواقفها المتزنة تجاه السودان، وحرصها على وحدته و سلامة أراضيه .

 

وفي الداخل السوداني يظل الموقف الرسمي والشعبي واضحاً في دعمه للمملكة وهو ما عبّر عنه رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، في أكثر من مناسبة، حيث وقوف السودان إلى جانب السعودية في خندق واحد ، لمواجهة التهديدات التي تستهدف أمنها واستقرارها.

إن محاولات التأثير على هذا الموقف عبر حملات إعلامية أو مقاطع مجتزأة من سياقها لن تغير من حقيقة العلاقات بين البلدين فالسعودية والسودان يرتبطان بمصير مشترك و تاريخ طويل من التعاون، و وحدة في القيم والمصالح و في ظل التحديات الراهنة من الواضح أن الوعي الشعبي و السياسي في السودان يتجه نحو إعادة ترتيب الأولويات، بما يضمن الحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها بلإضافة لتعزيز شراكاتها مع الدول التي تتقاطع معها في الرؤية و المصالح في مقدمتها المملكة العربية السعودية.

 

لقد أثبتت التجارب أن التحالفات القائمة على المصالح العابرة سرعان ما تتلاشى، بينما تبقى العلاقات المبنية على التاريخ المشترك والقيم الراسخة أكثر قدرة على الصمود ومن هذا المنطلق، فإن التضامن السوداني مع السعودية ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل هو انعكاس طبيعي لوحدة مسار ومصير مشترك .

 

مع تحيات ضل الغيمة

28مارس 2026

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى