
أفكار
لميس أدهم
خليفة ود الأرباب.. الفقد عظيم
من بين الوجوه التي كانت تمنح الناس طمأنينة المكان، وترمم ما تفرقه الأيام، رحل مولانا الخليفة علي الخليفة بركات، خليفة الشيخ إدريس ود الأرباب، رحل تاركاً في القلوب فراغاً لا يملؤه الحديث، ولا تعوضه الكلمات.
كان الفقيد ابن العيلفون البار، الذي أحب أرضه كما يحب الإنسان روحه، فظل وفيا لها في حضوره وترحاله، يحمل همها في قلبه، ويجعل من وحدة صف أهلها قضية لا مساومة فيها. لم يكن رجلا عابرا في حياة الناس، بل كان مقاما من مقامات الحكمة، وصوتا للعقل حين تضيق الصدور، ووجها وطنيا نادرا ظل يرى السودان أكبر من خلافاته وأوسع من جراحه.
عرفه الناس داعيةً للمحبة والتسامح، حريصا على جمع الكلمة ورتق النسيج الاجتماعي، مؤمنا بأن قوة الوطن تبدأ من تماسك أهله. وكان، رحمه الله، صاحب حضور يبعث الوقار، وكلمة تحمل الطمأنينة، وقلبٍ مفتوح لكل من قصده.
وبرحيله، لم تفقد العيلفون أحد أبنائها البررة فحسب، بل فقدت الطريقة سندا من أعمدتها، ووجها ظل حاضرا في مجالس الذكر والإصلاح والتوجيه. فقدٌ كبير لأهل الطريقة الذين عرفوه قريبا من الناس، حاملا لإرث الآباء والأجداد، محافظا على نهج التصوف السوداني القائم على المحبة والصفاء وجمع القلوب. سيغيب صوته عن المجالس، لكن أثره سيظل باقيا في الأرواح التي لمسها، وفي النفوس التي تعلمت منه معنى السكينة وخدمة الناس.
لقد أحب العيلفون حباً خالصا، وأحب السودان بمحبة الصادقين الذين لا ينتظرون جزاءً ولا ظهورا. أدى واجبه كاملا غير منقوص، وظل واقفا في مواقع الخدمة والإصلاح حتى آخر أيامه، تاركا إرثا من السيرة الطيبة والمواقف المشرفة.
وفي هذا المصاب الجلل، لا يفوتنا أن نتقدم بالشكر والتقدير للحكومة السودانية، وعلى رأسها الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، لما وجدته الأسرة ومحبو الفقيد من تعاون كريم وتسهيلات كبيرة أسهمت في نقل الجثمان من المملكة، في أمر بدا للكثيرين بالغ الصعوبة، بل أقرب إلى المستحيل. وقد كان لذلك الموقف الإنساني أثر بالغ في نفوس أهله ومحبيه، فخفف شيئا من قسوة الفقد، وأكد أن الوفاء للرموز الوطنية ما يزال حاضرا في وجدان الدولة وأهل السودان.
رحم الله مولانا الخليفة علي الخليفة بركات رحمةً واسعة، وجعل البركة في ذريته ومحبيه، وأبقى سيرته الطيبة نورا في ذاكرة العيلفون والسودان. فالرجال الكبار لا يغيبون تماما، لأن أثرهم يظل حيا في الناس، وفي الأماكن التي أحبوها، وفي الدعوات الصادقة التي تخرج لهم من القلوب كلما مرّ طيفهم في الذاكرة.