الأعمدة

لميس أدهم الحرب.. بين الواقع والخيال

أفكار

لميس أدهم

الحرب.. بين الواقع والخيال

بينما كنت أشاهد بداية مسلسل Outlander، استوقفتني مشاهد الحرب؛ صرخات، دموع، وجوه أنهكها الخوف، وأرض أثقلتها البنادق. ثم، في لحظة خاطفة، تبدل المشهد. انتهت الحرب، وتعانق المقاتلون، وارتفعت الابتسامات فوق وجوه ظنت أنها نسيت معنى الفرح. كان المشهد جميلاً إلى حدٍ أربكني، لأن عقلي لم يبق هناك… بل عاد مسرعا إلى السودان.

 

سرحت بخيالي، وتصورت أن الحرب قد انتهت في كل ربوع الوطن الحبيب. لا هدير للطائرات، ولا أزيز للمسيّرات، ولا قصف يوقظ الأطفال من نومهم فزعين، ولا أم تبحث عن مكان أكثر أمانا تحت سماء لم تعد تعرف السلام. تخيلت الناس يعودون إلى بيوتهم، والأسواق تستعيد ضجيجها الجميل، والمدارس تفتح أبوابها، والحقول تعود خضراء كما كانت، لا يكسوها إلا الأمل.

 

ثم عدت إلى الواقع.

 

واقع ما زالت فيه الحرب تقتطع من أعمار الناس أكثر مما تقتطع من الأرض، وتسرق من الوطن أجمل ما يملك: الإنسان. ملايين نزحوا، وآلاف فقدوا أحبة، ومدن كانت تضج بالحياة أصبحت تبحث عن أبسط مقوماتها.

 

ويبقى السؤال : ماذا جنت الأوطان من الحروب سوى الخراب؟ ماذا كسب الجميع إذا كان الوطن نفسه هو الخاسر الأكبر؟ فما قيمة أي انتصار إذا كان ثمنه وطنا ممزقا، واقتصادا منهكا، وأجيالا تحمل في ذاكرتها أصوات الانفجارات بدل أصوات المدارس؟

 

لقد علمنا التاريخ أن الحروب تبدأ بخطاب القوة، لكنها تنتهي دائما على طاولة يدفع ثمنها المدنيون. وما من حربٍ تترك خلفها منتصرا كاملا، بل تترك وطنا يحتاج سنوات طويلة ليلملم شتاته، ويعيد بناء الثقة قبل أن يعيد بناء الجدران.

 

السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من البنادق، بل إلى إرادة تُغلّب صوت الحكمة على صوت الرصاص، وإلى مشروع وطني يجمع ولا يفرق، ويؤمن بأن الاختلاف لا ينبغي أن يكون سببا في اقتتال الإخوة، بل دافعا لبناء دولة تتسع للجميع.

 

ربما كان المشهد في المسلسل مجرد نهاية لحكاية كُتبت على الورق، لكننا نحن ما زلنا ننتظر النهاية الحقيقية لحربٍ أثقلت قلوب السودانيين جميعا. ننتظر اليوم الذي يصبح فيه السلام خبرا عاديا، لا أمنية بعيدة.

 

وسيأتي ذلك اليوم، لأن السودان الحبيب، مهما طال ليله، لم يُخلق ليعيش في الحرب، بل ليزهر بالحياة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى