الأعمدة

الحوار الوطني في السودان: منبر مستقل لبناء الثقة وصياغة المستقبل بقلم: محمد شوقي خليل

الحوار الوطني في السودان: منبر مستقل لبناء الثقة وصياغة المستقبل

بقلم: محمد شوقي خليل

في ظل الانقسام السياسي العميق الذي يعيشه السودان، تبرز الحاجة إلى وضع الحوار الوطني في قلب الجهود الرامية إلى إنهاء الأزمة. فهو المسار الأقدر على جمع المكونات السودانية حول رؤية مشتركة لمستقبل البلاد، شريطة أن يُصمم بوصفه عملية سياسية ومجتمعية مستقلة، لا مجرد مؤتمر عابر أو تسوية جديدة بين النخب.

غير أن نجاح هذا الحوار يظل مرهوناً بتوفير بيئة محايدة وآمنة، تتيح مشاركة مختلف الأطراف. ومن هنا تبرز أهمية إنشاء مقر مؤقت للعملية الحوارية خارج البلاد بوصفه ترتيباً مرحلياً.

ويمكن تعزيز هذا المسار بإنشاء مركز فكري في الولايات المتحدة يضم خبرات سودانية ودولية، ويتولى إعداد الدراسات، وتوثيق الرؤى والمقترحات، وتطوير البدائل السياسية والمؤسسية، وتوفير الدعم المعرفي والفني للحوار، من دون أن يتحول إلى جهة مقررة أو بديل عن الفاعلين السودانيين.

ورغم الحاجة إلى المساندة الدولية والإقليمية، يجب أن يظل الحوار سودانياً في ملكيته وقراره. ويمكن للأمم المتحدة والخماسية والشركاء الإقليميين الاضطلاع بأدوار التيسير والضمان والتمويل والدعم الفني، من دون أن يحلوا محل السودانيين أو يفرضوا عليهم المشاركين أو الأجندات أو النتائج. فالملكية الوطنية الحقيقية شرط أساسي لتجاوز دائرة الرفض والتخوين وبناء تسوية تحظى بالشرعية وقابلية الاستمرار.

ولا يبدو واقعياً أن يبدأ الحوار مباشرة بالقضايا الدستورية والسياسية الكبرى في ظل الانقسام الحاد وانعدام الثقة. لذلك ينبغي أن تسبقه وتواكبه إجراءات عملية لبناء الثقة، تشمل ضمان سلامة المشاركين وحرية التعبير، وفتح قنوات الاتصال بين القوى المدنية والمجتمعية، واعتماد خطاب يرفض التخوين والإقصاء، وتبادل المعلومات بشفافية، وتوثيق التفاهمات والالتزامات، وضمان مشاركة النساء والشباب والنازحين واللاجئين والمجتمعات المتأثرة بالحرب.

ومن شأن هذه الإجراءات أن تساعد على الانتقال التدريجي من القطيعة إلى التواصل، ومن التواصل إلى التفاوض، ومن التنافس على الشرعية إلى البحث عن أرضية وطنية مشتركة.

ويظل النقاش حول شكل الدولة ونظام الحكم وإدارة التنوع وتقاسم السلطة والموارد من القضايا الجوهرية في أي حوار وطني جاد. ويشمل ذلك دراسة النماذج الفدرالية المختلفة والاستفادة من تجارب دول أخري، من دون استنساخ أي منها بصورة آلية. فالمطلوب هو تطوير صيغة سودانية تعالج جذور التهميش، وتحترم التنوع، وتضمن المشاركة العادلة، وتحافظ على وحدة البلاد.

غير أن حسم هذه القضايا يحتاج إلى مشاركة مجتمعية واسعة وبيئة سياسية أكثر استقراراً، حتى لا تتحول مسألة شكل الدولة إلى مصدر جديد للصراع أو الإقصاء. ولذلك ينبغي تناولها عبر عملية متدرجة تبدأ بالاستماع والمشاورات القاعدية، ثم تنتقل إلى المسارات المتخصصة، وصولاً إلى المنبر الوطني الجامع.

أما على مستوى التحرك السياسي، فتتمثل الخطوة الأولى في بناء قبول سوداني متدرج حول هذا التصور، من خلال مشاورات هادئة مع القوى المدنية والمجتمعية، والشخصيات الوطنية، والمجموعات المهنية والنسوية والشبابية. وبعد تبلور قدر معقول من التوافق، يمكن تقديم المقترح إلى الخماسية والأمم المتحدة والشركاء الإقليميين بوصفه مبادرة سودانية تحتاج إلى مظلة دولية وإقليمية للتيسير والضمان والدعم.

إن جعل الحوار الوطني محوراً للعملية السياسية لا يعني تجاهل تعقيدات الواقع أو اعتباره بديلاً عن وقف الحرب وحماية المدنيين. بل يعني تأسيس مسار سوداني موازٍ لجهود وقف القتال، يتناول مستقبل الدولة، ويربط السلام العسكري بالتسوية السياسية والمصالحة المجتمعية وإعادة بناء المؤسسات.

فالسودان يحتاج اليوم إلى منصة تجمع ولا تستبعد، وتستمع ولا تفرض، وتبني الثقة قبل أن تطلب التوافق. ومن هنا، قد يشكل تأسيس منبر مؤقت مستقل للحوار، مدعوماً بإجراءات ملموسة لبناء الثقة ومظلة دولية وإقليمية ضامنة، بداية حقيقية لبناء الثقة و لإعادة إطلاق العملية السياسية وصياغة مستقبل سوداني أكثر سلاماً واستقراراً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى