مقالات

أديس تترنح.. هكذا انقلب سحرُ المُسيّرات على الساحر

بقلم/محمد عثمان

ليس ما يجري في أديس أبابا اليوم اضطراباً عابراً في المشهد، بل هو قصاص التاريخ حين يستدير، وحكم الجغرافيا حين ينطق بكلمته الفصل.

الرجل الذي حوّل مطار عاصمته إلى رصيف خلفي لشحنات الموت الإماراتية، وفتح سماءه لعبور المُسيّرات التي تحصد أرواح السودانيين، ومدّ يد الغدر ليتسلل إلى الفشقة والجيش السوداني منشغل بمعركة وجوده، يقف الآن بلا سماء تحميه وبلا أرض تقلّه. العاصمة التي كانت منصة العدوان، أصبحت مدينة محاصرة بالخوف، وميكيلي تسقط، وخطوط الطيران تعلّق رحلاتها، وسبعة تشكيلات مسلحة تزحف تحت راية واحدة: “قوات الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء”.

وعندما عجز عن تفسير السقوط، خرج المشير برهانو جولا، رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، يطلق سهامه في الاتجاه الخطأ. اتهم السودان بدعم المعارضة، وقال إن تيغراي لا تقف إلا بدعم خارجي. لم يقدّم وثيقة، ولا صورة، ولا دليلاً. لأنه لا يملك إلا رواية مهزوم يبحث عن مبرر.

وجاء الجواب من الخرطوم كالسيف. بيان القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية مساء الأحد لم ينفِ التهمة فحسب، بل قلب الطاولة. أكد أن الادعاءات لا أساس لها، وأن الحقائق الدامغة تثبت العكس تماماً: أن الأرض الإثيوبية ذاتها هي التي استُخدمت وتُستخدم لتأهيل وتجهيز مليشيا آل دقلو، ولإطلاق المسيّرات الاستراتيجية والانتحارية منها نحو الداخل السوداني.

هنا تتجلى الحكاية كلها. أبوظبي التي اشترت ولاء أبي أحمد بمالها، تركته اليوم في منتصف النار. لم تحرك طائرة، ولم ترسل وسيطاً، ولم تدفع عنه. لأن قاعدة أبوظبي الذهبية لا تعرف الحلفاء، بل تعرف الأدوات. وعندما تنتهي صلاحية الأداة، تُرمى.

لقد نسي أبي أحمد أن السودان الذي طعنه، هو السودان الذي احتضن شعبه يوم كان لاجئاً، وأطعمه يوم كان جائعاً، وآواه يوم كان مطارداً. وتوهم أن في إسقاط الخرطوم مجداً لأديس، ولم يفهم أن خراب الخرطوم هو خراب أديس، وأن من يشعل النار في بيت جاره، ستحرق النار بيته أولاً.

وتوهم ثانياً أن المال الإماراتي يصنع دولة. فالدول لا تُبنى بالقروض المسمومة والرشاوى السياسية، وإثيوبيا بعمقها الحضاري وتنوعها المستعصي ليست مليشيا يمكن تفصيلها على مقاس أبوظبي. فالإمارات تتغذى على الهشاشة، وتقتات على الانقسامات، وحين تصطدم بكيان صلب، تنكسر.

واليوم، أبوظبي نفسها تترنح. مشروعها في السودان ينهار، ومليشيتها تُذبح وتُباد في صحارى دارفور وكردفان وعلى أطراف الحدود التي كانت تظنها آمنة. فاقد الشيء لا يعطيه، ومن فشل في إنقاذ ذراعه، لن يستطيع إنقاذ من ارتهن له.

هذه ليست أزمة حكم في أديس، بل نهاية نموذج. نموذج الحاكم الذي يبيع جواره ليشتري كرسيه، فيخسر الجوار والكرسي معاً.

والعبرة لمن يعتبر، فما آل إليه حال أبي أحمد اليوم هو المرآة التي سيرى فيها كل من سلك ذات الدرب مصيره المحتوم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى