
الخرطوم لا تُستعاد بالحنين* لؤي اسماعيل مجذوب* *(مقال في الصميم)*
*الخرطوم لا تُستعاد بالحنين*
لؤي اسماعيل مجذوب*
*(مقال في الصميم)*
أخطر ما يفعله السودانيون الآن أنهم يتعاملون مع الخرطوم كأنها مدينة تعطلت مؤقتًا وستعود تلقائيًا بمجرد توقف الرصاص. وهذا وهم كبير. المدن التي تخرج من الحروب لا تعود كما كانت بالحُب ولا بالذكريات ولا بالحنين إلى “زمن الخرطوم الجميل”. المدن تعود فقط حين تُفرض عليها شروط صارمة تعيد تعريف من يسكنها، وكيف يعيش فيها، ومن يحق له الحركة داخلها، ومن يُسمح له أن يبني نفوذًا على أرضها.
الحرب لم تكشف ضعف الدولة فقط، بل كشفت حجم الاختراق الذي ظل يتشكل بصمت لسنوات طويلة حتى انفجر في وجوه الناس دفعة واحدة. فجأة اكتشف السوداني أنه لا يعرف المدينة التي عاش فيها عمره. اكتشف أن الخرطوم لم تعد تلك العاصمة التي يعرف فيها الجار جاره، ويأمن فيها الناس على بيوتهم وأطفالهم وأعراضهم. اكتشف أن حول العاصمة أحزمة كاملة من البؤس والفوضى والكراهية والجريمة والوجود العابر للحدود، وأن هذه الأحزمة لم تكن مجرد فقر كما قيل دائمًا، بل بيئة رخوة نمت فيها كل أمراض الدولة حتى وصلت إلى لحظة الانفجار.
الحقيقة التي يخاف كثيرون من قولها بوضوح هي أن الخرطوم تغيّرت ديمغرافيًا وأمنيًا واجتماعيًا بصورة خطيرة خلال العقود الماضية، وأن الدولة تعاملت مع هذا التحول بعقلية الموظف لا بعقل الدولة التي تحمي نفسها. تُركت الحدود مفتوحة، وتحوّل الوجود الأجنبي غير المنضبط إلى أمر اعتيادي، ودخلت شبكات كاملة من غرب أفريقيا وشرقها إلى قلب العاصمة تحت عناوين العمل الهامشي واللجوء والتجارة الصغيرة، بينما كانت تبني ببطء واقعًا جديدًا مختلفًا عن طبيعة المجتمع السوداني التي عرفها الناس لعقود.
ولأن الدولة كانت غائبة أو متواطئة أو عاجزة، تحولت الخرطوم شيئًا فشيئًا من مدينة تشبه نفسها إلى مدينة تشبه أطراف الفوضى حولها. اختفت الملامح القديمة وحلّت محلها العشوائية، وانتشرت الجريمة المنظمة، والمخدرات، والتسول الاحترافي، وعصابات النهب، والباعة الجائلون الذين لم يعودوا مجرد باعة، بل جزءًا من اقتصاد ظل كامل يتحرك خارج سيطرة الدولة.
المشكلة ليست في الفقير الحقيقي الذي يبحث عن لقمة عيشه، ولا في الإنسان الذي اضطرته الظروف للنزوح أو الهجرة. السودانيون ليسوا شعبًا عنصريًا ولا دعاة كراهية، لكن الدولة التي لا تفرّق بين اللجوء الإنساني المنضبط وبين الاختراق الديمغرافي والأمني، دولة تفتح بابها للانهيار بيدها. كل دول العالم تحمي حدودها وهويتها ومجتمعاتها دون خجل. السعودية تحارب التسلل بلا تردد، ومصر شددت قوانين الإقامة والعمل بعد أن شعرت بالضغط على مجتمعها وخدماتها، ودول أوروبا نفسها التي تتغنى بحقوق الإنسان أصبحت أكثر قسوة في ملفات الهجرة غير الشرعية حين شعرت أن أمنها الاجتماعي مهدد.
فلماذا يُطلب من السودان وحده أن يتعامل مع هذا الملف بعاطفة وانتحار أخلاقي؟!
ما حدث في الخرطوم أثناء الحرب لم يكن فقط نتيجة قوة المليشيا، بل نتيجة البيئة التي سُمح بتكوينها حول العاصمة لعشرات السنين. البيئة الرخوة التي اختلط فيها الفقر بالجريمة، والهجرة غير الشرعية بالاقتصاد الأسود، والتسول بالشبكات العابرة للحدود، حتى أصبحت الدولة نفسها عاجزة عن معرفة من يعيش داخل عاصمتها أصلًا.
كيف يطمئن المواطن اليوم وهو يرى نفس الوجوه التي ملأت الشوارع قبل الحرب تعود من جديد؟
كيف يثق الناس في مجتمع تمزقت فيه الثقة بهذه الصورة؟
كيف يعود صاحب البيت ليعيش مطمئنًا وهو يعلم أن المدينة ما زالت مفتوحة لكل من يعبر إليها بلا ضابط ولا تعريف ولا رقابة؟
هذه ليست أزمة خدمات فقط. ليست كهرباء ومياه وأسفلت. هذه أزمة مجتمع فقد الإحساس بالأمان داخل مدينته. وأي حديث عن إعادة إعمار الخرطوم دون إعادة إعمار الثقة داخلها هو كذب سياسي كبير.
الخرطوم لا تحتاج فقط إلى إزالة الأنقاض، بل إلى إزالة البيئة التي صنعت الانهيار. تحتاج إلى مشروع أمني واجتماعي طويل المدى يعيد تعريف العاصمة نفسها: من يدخل؟ من يسكن؟ من يعمل؟ من يملك؟ ومن يتحرك داخلها بلا هوية ولا سجل ولا غرض واضح؟
لا يمكن لعاصمة خارجة من حرب وجودية أن تبقى مفتوحة بهذا الشكل ثم نتوقع منها أن تتعافى.
المطلوب ليس حملات موسمية ولا مطاردات شكلية للباعة والمتسولين ثم ترك الشبكات التي تحركهم. المطلوب رؤية دولة حقيقية: ترحيل الوجود غير الشرعي بلا تردد.
ضبط الأحياء الهشة أمنيًا.
تفكيك شبكات التسول والجريمة المنظمة.
إغلاق منافذ التهريب.
مراجعة الإقامات والأنشطة التجارية.
وقف منح التأشيرات العبثية.
وإعادة بناء العاصمة على أساس الهوية السودانية لا على أساس الفوضى العابرة للحدود.
ولابد أن تُقال الحقيقة كما هي: المجتمع نفسه يحتاج إلى ترميم نفسي وأخلاقي. الحرب زرعت خوفًا عميقًا داخل الناس. الجار لم يعد يثق في جاره كما كان. كثيرون رأوا الخذلان والخيانة والنهب بأعينهم. وهذه الجراح لا تُشفى بالخطب ولا بالشعارات، بل بإحساس الناس أن الدولة استعادت السيطرة فعلًا، وأن القانون عاد أقوى من الفوضى، وأن الخرطوم لم تعد مدينة مستباحة لكل من يريد أن يعيش فيها بلا انتماء ولا التزام.
الناس لا تريد مستحيلًا. يريدون فقط أن تعود الخرطوم مدينة سودانية تشبه السودانيين. مدينة نظيفة، آمنة، مرتبة، يعرف فيها الإنسان من حوله، ويشعر فيها أن بيته ليس هدفًا مؤجلًا، وأن أبناءه يستطيعون السير دون خوف، وأن مجتمعه لم يعد محاصرًا بأحزمة البؤس والجريمة والكراهية.
هذه ليست دعوة للكراهية، بل دعوة لبقاء الدولة نفسها. لأن الدول لا تضيع فقط بالحروب… بل تضيع حين تفقد شجاعة حماية هويتها ومجتمعها وحدودها.
والخرطوم إن لم تُحمَ الآن بعقل بارد وحزم حقيقي ورؤية بعيدة المدى، فلن تعود تلك المدينة التي نحملها في ذاكرتنا مهما أعدنا طلاء جدرانها.
فالمدن لا يحرسها الحنين…
بل الدولة.
*لؤي اسماعيل مجذوب*
_________