الأعمدة

*السودان والبحر الأحمر.. عندما تتحول الجغرافيا إلى قوة* بقلم .. الرشيد امبدي ابوبكر

*السودان والبحر الأحمر.. عندما تتحول الجغرافيا إلى قوة*

بقلم .. الرشيد امبدي ابوبكر

في عالم تتغير فيه خرائط التجارة والطاقة والأمن بسرعة، لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي، بل أصبح واحدة من أهم ساحات التنافس الجيوسياسي في العالم. ومع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب وخليج عدن، تتزايد قيمة الدول الواقعة على هذه الممرات، ويبرز السودان بوصفه صاحب موقع استراتيجي يمكن أن يتحول من مجرد جغرافيا إلى ورقة قوة.

 

السؤال الحقيقي ليس: هل السودان مهم جغرافيًا؟ بل: هل يستطيع تحويل موقعه على البحر الأحمر إلى قوة اقتصادية وسياسية وأمنية؟

 

السودان يمتلك ساحلًا يتجاوز 800 كيلومتر، وموانئ يمكن تطويرها لتصبح أكثر من مجرد منافذ للاستيراد والتصدير. فالميناء الحديث يمكن أن يتحول إلى منطقة حرة، ومركز لإعادة التصدير والتخزين، وصناعات مرتبطة بالموانئ، وخدمات بحرية وطاقة واتصالات وتكنولوجيا. وإذا ارتبطت هذه الموانئ بالطرق والسكك الحديدية، فإن السودان يمكن أن يصبح بوابة للعمق الإفريقي والأسواق التي لا تمتلك منافذ بحرية.

 

وهنا تظهر فكرة الشراكة الاستراتيجية مع قوى دولية كبرى.

 

إذا استطاع السودان جذب استثمارات طويلة الأجل لتطوير الموانئ والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والأمن البحري، فإنه لن يحصل فقط على المال، بل يمكن أن ترتفع قيمته في حسابات القوى الدولية. فالدولة التي تصبح جزءًا من شبكات التجارة والطاقة والأمن البحري العالمية تصبح دولة ذات مصالح يريد الآخرون الحفاظ عليها.

 

لكن هناك فرقًا جوهريًا بين الشراكة الاستراتيجية والقاعدة العسكرية. السودان ليس مضطرًا للاختيار بين فتح قواعد أجنبية أو إغلاق ساحله أمام الاستثمار. هناك مساحة واسعة تشمل الاستثمار التجاري، والامتيازات اللوجستية، والموانئ ذات الاستخدام المزدوج، والتعاون في الأمن البحري، ونقل التكنولوجيا والتدريب.

 

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل مخاوف دول الجوار. فالبحر الأحمر منظومة أمنية واحدة، ودخول قوة كبرى إلى الساحل السوداني قد يغير موازين القوى. لكن هذا لا يعني أن يجمد السودان أوراقه الاستراتيجية مراعاة لمخاوف الآخرين، بينما يحتاج هو إلى الاستثمار والتنمية والأمن.

 

المطلوب هو التوازن بين السيادة والمصالح الإقليمية.

 

كما أن قيمة البحر الأحمر لا تنفصل عن ثروات السودان الأخرى: الذهب والمعادن، والزراعة، والثروة الحيوانية، والطاقة الشمسية، والسوق الإفريقية. وعندما تجتمع هذه العناصر مع الموانئ والتكنولوجيا والبنية التحتية، يمكن أن تتشكل ما يمكن تسميته “القوة السودانية المركبة”.

 

لكن الخطر يكمن في أن يتحول الموقع إلى سلعة تُباع لأعلى مشترٍ. لذلك يجب أن تقوم الاستراتيجية السودانية على الشراكة المتعددة لا التبعية الأحادية: تنويع الشركاء، وضمانات سيادية، ونقل التكنولوجيا، وتشغيل السودانيين، وعقود قابلة للمراجعة، وعدم احتكار دولة واحدة للموقع السوداني.

 

في النهاية، لا يحتاج السودان إلى بيع البحر الأحمر، كما لا يحتاج إلى تجميد أهم أوراقه الاستراتيجية.

 

ما يحتاجه هو دولة قوية ومؤسسات قادرة على تحويل الجغرافيا إلى مصالح، والمصالح إلى نفوذ، والنفوذ إلى تنمية.

 

فالجغرافيا لا تصنع القوة وحدها؛ لكن الدولة الذكية تستطيع أن تحول الجغرافيا إلى قوة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى