
الشيخ إبراهيم أحمد محمد. (الحلقه الثانيه).
بقلم:دكتور ياسر احمد ابراهيم.
معلّم الأجيال ورائدٌ من روّاد التعليم وصاحب أثرٍ باقٍ في تاريخ السودان
لم يكن الشيخ إبراهيم أحمد محمد مجرد معلّمٍ عابر في مسيرة التعليم السوداني، بل كان واحداً من أولئك الرجال الذين حملوا رسالة التعليم بوصفها رسالةً لبناء الإنسان والوطن، فتركوا أثراً تجاوز سنوات الوظيفة، وبقي حاضراً في ذاكرة الأجيال.
تخرّج الأول على دفعته من كلية غردون عام 1920، وكان ذلك التفوق العلمي بدايةً لمسيرة حافلة بالعطاء. ونظراً إلى علمه وتميّزه ومكانته، اختير مشرفاً على الطلاب بكلية غردون، في مرحلة كانت فيها المؤسسة التعليمية تمثل إحدى أهم منارات التعليم في السودان.
رائدٌ في تطوير التعليم
في مرحلة مهمة من تاريخ التعليم السوداني، شارك الشيخ إبراهيم أحمد محمد، إلى جانب المعلّم عكير ومفتش إنجليزي، في تأسيس وتطبيق نظام التعليم المجلسي، وهو نظام خُصص للمدارس الصغرى التي كانت تتبع للمجالس المحلية.
كانت تلك المدارس تضم ثلاثة فصول: الأول والثاني والثالث، ثم يتقدم طلابها لامتحان الصف الرابع للانتقال إلى مراحل التعليم التالية.
وكان لمنطقة الرباطاب نصيبٌ كبير من هذه المدارس، الأمر الذي أسهم في نشر التعليم وإتاحة فرص الدراسة لأبناء المنطقة في وقت كانت فيه المدارس محدودة، وكانت مسافات الوصول إليها ووسائل التعليم تمثل تحدياً كبيراً.
وهنا تتجلى قيمة الدور الذي قام به الشيخ إبراهيم ورفاقه؛ فقد كان التعليم بالنسبة لهم وسيلةً للوصول إلى الإنسان في قريته وبيئته، وفتح أبواب المعرفة أمام أجيال لم تكن الفرص التعليمية متاحةً لها بسهولة.
أوسمة وبراءات تقدير
لم يمر هذا العطاء دون تقدير؛ فقد حظي الشيخ إبراهيم أحمد محمد بتقدير رسمي رفيع، ونال عدة أوسمة وبراءات تقدير من الحاكم العام، من الدرجة الأولى والثانية، تقديراً لما قدمه من جهد في مجال التعليم وخدمة البلاد.
كما نال لاحقاً وسام العلم من الرئيس جعفر محمد نميري، تقديراً لعطائه وإسهاماته في مسيرة التعليم.
وامتد التقدير إلى خارج السودان، فنال كذلك كسوة الشرف الأولى والثانية من الأزهر الشريف، في تكريم يعكس مكانته العلمية والتربوية.
العطاء لا ينتهي بالمعاش
ولم يكن المعاش نهايةً لمسيرته في خدمة الناس، بل كان بدايةً لمرحلة أخرى من العطاء.
فبعد المعاش، واصل الشيخ إبراهيم أحمد محمد دوره المجتمعي، وقاد الوفود، مع نفر كريم من أبناء المنطقة، لتقديم الخدمات إلى منطقة أبوحمد، في مجالات متعددة شملت التعليم والصحة والبنيات الأساسية.
وهكذا ظل يحمل همّ المنطقة وأهلها، مؤمناً بأن خدمة الإنسان لا ترتبط بمنصب أو وظيفة، وأن من عاش للتعليم وخدمة المجتمع لا يتوقف عطاؤه بانتهاء سنوات العمل الرسمي.
إرثٌ تتوارثه الأجيال
إن سيرة الشيخ إبراهيم أحمد محمد ليست مجرد سيرة موظفٍ أو معلّمٍ نال الأوسمة والتكريم، وإنما هي قصة رجلٍ من جيلٍ آمن بأن التعليم هو الطريق إلى بناء الإنسان وصناعة المستقبل.
من تفوقه في كلية غردون، إلى إشرافه على الطلاب، وإسهامه في تطوير نظام التعليم المجلسي، ودوره في نشر المدارس في مناطق الرباطاب، ثم عطائه المتواصل بعد المعاش في خدمة أبوحمد؛ تتشكل أمامنا سيرة رجلٍ جمع بين العلم والتربية وخدمة المجتمع.
ولذلك يستحق الشيخ إبراهيم أحمد محمد أن يبقى اسمه حاضراً في ذاكرة أبناء السودان، وأن تُروى سيرته للأجيال القادمة، لا باعتبارها صفحة من الماضي فحسب، وإنما باعتبارها نموذجاً لجيلٍ جعل من العلم رسالة، ومن التعليم جسراً لبناء الإنسان، ومن خدمة المجتمع واجباً لا ينتهي.
إنه الشيخ إبراهيم أحمد محمد… معلّم الأجيال، ورجلٌ بقي أثره بعد أن مضت السنوات.
دكتور ياسر أحمد إبراهيم