
الصادق ياسين يكتب على خطى الإصلاح الشعب السوداني ضاق عَضّة الدبيب.. يا برهان ..! أخي جمال عنقرة .. ما أكثر ما قلناها، وما أكثر ما طرقنا بها أبواب المسؤولين ، وناشدنا بها السيد القائد العام للقوات المسلحة:
الصادق ياسين يكتب على خطى الإصلاح
الشعب السوداني ضاق عَضّة الدبيب.. يا برهان ..!
أخي جمال عنقرة ..
ما أكثر ما قلناها، وما أكثر ما طرقنا بها أبواب المسؤولين ، وناشدنا بها السيد القائد العام للقوات المسلحة:
الله الله يا برهان في الذين دافعوا عن الأرض والعِرض ..
الله الله في أبناء السودان الصادقين ، الذين لم يخونوا
عهدًا ، ولم ينقضوا وعدًا ، ولم يبدلوا مواقفهم حين تبدلت مواقف الآخرين ..
الله الله في أولئك الذين ظلوا خلف زناد البنادق والمدافع ، يلتحفون حر الشمس في كبد السماء ، ويستظلون بهجير الفيافي والصحارى والوديان ، وهم يدافعون عن تراب وطن اسمه (السودان) .
منهم من مضى إلى ربه شهيدًا ، ومنهم من لا يزال ينتظر ، وما بدلوا تبديلاً .
خرجوا من دفء المكاتب إلى حر الميدان ، وتركوا وراءهم وجاهة السلطة وبريقها وصولجانها ، وتركوا لأهل المصالح مقاعدهم ومكاتبهم ، وذهبوا حيث كان الوطن ينادي أبناءه .
فمن وقف مع السودان في ساعة الخطر ، أحق بأن يُسمع صوته في ساعة صناعة المستقبل.
هذه هي الحقيقة التي ظللنا نرددها
يوم اختفى أهل الصولجان ..
الله الله في من اشترى رضا الله برضا الناس ، وترك أبناءه وأسرته وحياته وكل ما يتعلق بأمور دنياه ، يوم نادى منادي الجهاد:حيّ على الفلاح ..
يوم حمي وطيس القتال ، وبلغت القلوب الحناجر ، وتفرقت الجموع ، واختفى أهل الصولجان ، ولم يبقَ في الساحة إلا الذين عشقوا تراب السودان وأرضه وظل سمائه..
أولئك الذين لم يسألوا : ماذا سنأخذ؟
بل سألوا : ماذا
نستطيع أن نقدم !؟
لم يخرجوا بحثًا عن درهم ولا دينار ، ولا طلبًا لمنصب ولا جاه ، وإنما خرجوا لأن الوطن كان في خطر .. وهؤلاء ، يا سيادة القائد العام ، لا ينبغي أن يكونوا آخر من يُستشار .
يا جمال .. هنا أتفق معك
أخي وأستاذي جمال عنقرة..
أتفق معك تمامًا فيما ذهبت إليه في عمودك المقروء ، حين دعوت إلى أن يسند السيد الرئيس ظهره إلى الذين وقفوا معه وقت الحارة .. إلى رفقاء السلاح من العسكريين ..
إلى شركاء معركة الكرامة في حركات الكفاح المسلح ..
إلى السابقين واللاحقين من المستنفرين ، من لدن المصباح وصحبه ، البراؤون المجاهدون ، وحتى كيكل ورجاله الدراعة ..
إلى كتائب الشعب الوطنية المرابطة ..
إلى كل الذين صمدوا ولم يبدلوا تبديلاً ..
ثم إلى الداعمين والرعاة ، وكل من كان له سهم في الوقوف مع السودان في محنته.
هؤلاء هم أهل الحوار الحقيقي.
أما أن يجلس على مائدة واحدة من حملوا عبء الحرب ، ومن لم يكن لهم في المعركة إلا القليل الذي يُذكر ، ثم نطلب من الجميع أن يتساووا في صناعة القرار ، فذلك أمر يحتاج إلى كثير من المراجعة.
فنعم للحوار .. نعم .. ولكن ليس على حساب الدم
وأنا معك أيضًا في الحوار الجامع.
نعم، السودان يحتاج إلى أن يجلس أبناؤه معًا .. نعم ، السودان يحتاج إلى كلمة سواء..نعم ، السودان يحتاج إلى تجاوز المرارات ، وإلى مشروع وطني يجمع ولا يفرق .
ولكن..
ليس كل من يطلب الحوار يصبح تلقائيًا شريكًا فيه .
وهنا تحديدًا أختلف معك .
أختلف معك في أن يكون الجنجويد جزءًا من هذا الحوار .
لأن القضية عندي ليست خلافًا سياسيًا عابرًا يمكن تجاوزه بابتسامة ومصافحة.
القضية دماء .. القضية أعراض ..
القضية أطفال يتموا..
ونساء شُردن ..
وأسر هُجرت ..
وبيوت دُمرت ..
وأرض أُحرقت ..
بل إن طغيانهم كما نرى لم يسلم منه حتى (الحيوان) ، فكيف يُطلب من الإنسان الذي ذاق مرارة ما فعلوه أن يجلس معهم وكأن شيئًا لم يكن ..!؟
لا نأمن مكرهم ..
لقد خانوا العهد ، وغدروا ، وأوغلوا في الظلم والفساد ، حتى أصبحنا لا نأمن مكرهم ولا كيدهم .
ولذلك أولي أن ننائ بالجلوس معهم .
لا عنادًا في الحوار ، ولا رفضًا للسلام ، وإنما وفاءً لدماء الشهداء .. وفاءً لأولئك الصادقين المخلصين من أبناء السودان ، الذين دفعوا أرواحهم ثمنًا لمواقفهم .
كيف يمكن أن نطلب من أسر الشهداء أن تنسى؟
كيف يمكن أن نطلب من المقاتل الذي ظل في الخندق أن يتساوى مع من غدر؟
كيف يمكن أن نطلب من من فقد بيته وأهله أن يفتح قلبه لمن يرى أنه كان سببًا في مأساته؟
السلام الحقيقي لا يبدأ من دفن الحقيقة
.. والحوار الحقيقي لا يقوم على مساواة الضحية بمن يحمّلهم الناس مسؤولية ما أصابهم .
الشعب السوداني لم يعد كما كان .!!
عفوًا سيدي القائد العام ..
لكن ثمة حقيقة يجب أن تُقال ، مهما كانت قاسية:
الشعب السوداني ضاق عَضّة الدبيب.
ومن ضاق عَضّة الدبيب ، بات يخاف من جَرّة الحبل ..
لقد عضّنا الدبيب يا برهان.
عضّنا في أمننا.
عضّنا في بيوتنا.
عضّنا في أهلنا.
عضّنا في أموالنا.
عضّنا في أرضنا.
عضّنا في أحلامنا.
ولذلك أصبح السوداني اليوم أكثر حذرًا ، وأكثر شكًا ، وأشد خوفًا من تكرار التجربة ..
لا تطلبوا منه أن ينسى كل ذلك لأن بابًا للحوار قد فُتح .
يا برهان ..
لا تخطئ عنوان السودان
يا سيادة القائد العام ..
إن أردت حوارًا جادًا ، فلا تخطئ عنوان السودان .
عنوان السودان ليس في المكاتب وحدها..
وليس في الفنادق ..
وليس في أصحاب الميكروفونات ..
وليس في الذين يظهرون بعد انتهاء المعركة ليتحدثوا باسمها.
عنوان السودان هناك .. في الخندق..
في الميدان.
عند المقاتل الذي حمل سلاحه..
عند المستنفر الذي ترك أهله.. عند أم الشهيد.
عند أب فقد ابنه..
عند الأسرة التي خرجت من بيتها وهي لا تعرف هل ستعود إليه أم لا..
عند كل سوداني صمد حين كان الصمود مكلفًا .
هؤلاء هم الذين يجب أن يُسمع صوتهم.
لا نريد حوارًا لتقاسم الغنائم .. السودان لا يحتاج إلى حوار هدفه إعادة توزيع المقاعد .
ولا إلى حوار يعيد إنتاج الوجوه ذاتها..
ولا إلى حوار يُخرج من الأزمة مجرد تسوية بين النخب.
السودان يحتاج إلى حوار ينقذ السودان ..
حوار يحفظ دماء الشهداء .. يحترم الضحايا..
ينصف المظلوم ..
ويعرف قيمة من وقفوا في ساعة العسرة .
حوار لا يُكافئ الخيانة ولا يساوي بين من بذل ومن غدر .
ولا يجعل من تخلوا عن الوطن في ساعة المحنة شركاء في تحديد مصيره قبل أن يقول الشعب كلمته.
يا سيدي القائد العام ..
اسند ظهرك إلى الذين وقفوا معك عندما كان الوقوف مكلفًا ..
واسمع الذين لم يغيروا.
واقترب من الذين حملوا السودان في قلوبهم قبل أن يحملوه على أكتافهم.
فالذين ثبتوا في ساعة الخطر ، هم الأجدر بأن يُؤتمنوا على ساعة البناء.
الكلمة الأخيرة
لسنا ضد الحوار ..
لسنا ضد جمع أهل السودان ..
لسنا ضد السلام ..
ولكننا ضد أن يكون الحوار ستارًا للنسيان .
وضد أن تصبح المصافحة بديلًا عن الحقيقة.
وضد أن يُطلب من الشهداء أن يصمتوا ، ومن أسرهم أن تنسى ، ومن الضحايا أن يتنازلوا عن حقهم في معرفة من ظلمهم ولماذا .
نريد حوارًا جامعًا..
لكننا نريده حوارًا يعرف قدر الدم السوداني .
نريد سلامًا .. لكننا نريده سلامًا لا يعيد إنتاج أسباب الحرب.
نريد وطنًا واحدًا ..
لكننا نريده وطنًا لا يُباع في سوق النخاسة ، ولا يصبح مطية لأصحاب المصالح.
يا سيدي الرئيس ..
لقد ضاق الشعب السوداني عَضّة الدبيب..
فإياك أن تطلب منه أن يطمئن إلى جَرّة الحبل..
والله من وراء القصد .