الأعمدة

الطيب قسم السيد بعد موجات التشظي ونذر الضياع.. المليشيا تركل ادعاءات الإصلاح والابتلاع

الطيب قسم السيد

بعد موجات التشظي ونذر الضياع.. المليشيا تركل ادعاءات الإصلاح والابتلاع

​يلاحظ المتابعون لما يصدر عن منظمات حقوقية وإنسانية، ومؤسسات صحفية، وخبراء استراتيجيين، ووكلاء مخابرات سابقين؛ بروز تنبيه لافت لكل من يظن أنه متابع لراهن الأوضاع في السودان دون قراءة تاريخه المشهود في الصمود ومواجهة حملات الاجتياح والابتلاع. إذ على المتابع أن يستوعب حقيقة بسيطة، ولكنها صلبة كالصخر عن الدولة السودانية القائمة اليوم، المستندة إلى صفحة من التاريخ ناصعة بيضاء، لا يمكن أن يُعاد رسمها وفق أهواء النخب المجلوبة من الخارج ونزوات الناشطين.

​فالمليشيا المتمردة وأعوانها المتدثرون بشعارات الإصلاح والمدنية، صاروا يتنصلون مما درجوا على رفعه وترديده من شعارات ملقنة لهم، بعد أن عصفت بهم علات التنازع والتنافر والتشظي، وطالت صفوفهم ويلات التشكيك والتجريم والتخوين.

​والثابت والمعلوم أن السودان دولة تشكلت بالامتداد الطبيعي لاتحاد “السلطنة الزرقاء” و”سلطنة دارفور”؛ وهما كيانان قاما منذ قرون على شرعية إسلامية هي أعمق من كل الأيديولوجيات المستوردة التي ظهرت لاحقاً.

​لذلك، فإن الحراك السياسي في السودان ليس “تنظيماً” يمكن تفكيكه، ولا “ظاهرة” يمكن القضاء عليها، بل هو عمق ضارب في الحضارة السودانية، وجزء أصيل من تكوين الدولة ذاتها، سابق لكل التنظيمات العقائدية -يمينية كانت أو يسارية- منذ ثلاثة قرون كاملة من الزمان. وهو كذلك أكثر تطوراً من كل الحركات الليبرالية والعلمانية في المنطقة، التي ما تزال حتى يومنا هذا تتعثر بين شعارات مترجمة ومشاريع مستجلبة بلا حواضن اجتماعية.

​وبناءً على ما أوردنا، فإن من يحلمون باقتلاع التاريخ في السودان يكررون خطأً لم يبرروا طرحه أو حتى التلويح به، كما فعل السودانيون الذين اختلطت عندهم الثقافة بالدم، والعشيرة بالعادات واللغة، وبالوجدان الشعبي.

​عليه، فإن أي محاولة لاقتلاع هذا الوجود لن تكون مشروع إصلاح، بل مخطط اقتلاع للمجتمع بأكمله؛ وهو الأمر الذي يدحض ما يردده بعض الطارئين من نشطاء السياسة وأدعياء الحرية والسلام والعدالة؛ وهو طرح مغشوش لا يعدو كونه وهماً سياسياً يقوم على تجاهل التاريخ والجغرافيا والتركيبة الاجتماعية.

​فالسودان، هذا البلد العريق، لم يكن يوماً دولة علمانية فارغة تُعبأ بالأفكار عند الطلب؛ لا، بل هو سليل بنية حضارية ثقافية ممتدة، سبقت الملوحين باقتلاعها اليوم بما يسمونه “دولة 56”.

​وخلاصة القول، إن على من ينوي اقتلاع هذا الإرث التليد أن يدرك أنه يقاتل التاريخ؛ والتاريخ كما هو معلوم ومشهود، لا ولن يُهزم.

​الخميس/ 16 يوليو 2026م

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى