
العزف على الأوتار
“هنا أم درمان” ذاكرة الأمة السودانية ونبضها الحي”
بقلم:يس الباقر
لم يجتمع السودانيون على شيء كما اجتمعوا حول صوت واحد. صوت يخرج من راديو صغير. “هنا أم درمان”… كانت العبارة التي توحد القلوب، وتسكت البيوت، وتربط أطراف السودان كلها بحبل واحد.
كانت الإذاعة السودانية أكبر من محطة. كانت لوحة رسمت السودان كله. نشرة أخبار توحد الهم، و”متابعات” من الولايات تذكرنا أن الوطن واحد، وفترات مفتوحة شيقة أوصلت صوت المغترب لأهله. ودراما إذاعية علمتنا لهجات السودان وحكاوي قبائله في قالب واحد.
وفي قلب هذه اللوحة، أسماء صارت جزءاً من طفولتنا. كنا في المرحلة الإبتدائية ننتظر “بليلة مباشر ولا ذبيحة مكاشر” للأستاذ إبراهيم البزعي بيت الحكمة. ومع الفجر كان “الصباح رباح” مع سارة محمد عبد الله وإبراهيم البزعي يفتح لنا يوماً مليئاً بالدفء والوطنية.
هذا الصوت العظيم هو تراكم أجيال. بناه محمد خوجلي صالحين، وعلي محمد شمو، وحمدي بدر الدين، ومحاسن سيف الدين، وعوض إبراهيم عوض، والفاتح الصباغ، وأحمد سليمان ضوالبيت.ثم جاء من بعدهم رجاء حسن حامد رحمها الله، وإسراء زين العابدين، وطارق كابلو، ومحمد عبد الكريم عبد الله، والطيب قسم السيد، وسوسن علي تاور، ونجاة كبيدة، وأبو عبيدة أبوعرب، وابتهاج قوي، ومحمد حمد النيل… قائمة لا تنتهي من مهندسين ومعدين ومخرجين ومذيعين.
الإذاعة السودانية لم تكن سهلة. قامت على أسس وضوابط واختبارات. قليل من يجتازها. لذلك كانت هي “المدرسة”. من أراد كنزاً معرفياً فعليه أن يبدأ من هنا. تأسيس عميق لا فوقي، جعلها تتفوق على كثير من الفضائيات والإذاعات اليوم.
وليس غريباً أن يكون “موقعها الطبيعي” هو التتويج. فقد سعدنا بفوز العمل الملحمي “يا دار مساليت.. يا دار مساليت أنا حي” بالجائزة الثانية في مجال الدراما في ملتقى الإذاعات العربي بتونس. عمل عن قصيدة “مقتل السلطان تاج الدين” للشاعر محمد الفيتوري، بمعالجة وإخراج أستاذنا الكبير الطيب إبراهيم .
من “بليلة”مباشر ، إلى “ملحمة مساليت” للفخر… هكذا ظلت الإذاعة السودانية. هي نبض السودان الأول. هي التي أحبها الناس لأنهم وجدوا فيها أنفسهم. واليوم رغم تعدد الشاشات، تبقى الحقيقة: الإذاعة السودانية كنز الأمة. لأنها ببساطة… هي ذاكرة أمة، وصوت وطن لا يموت.