
الغرابي «سيد الحماس»… فلماذا يصبح صوته مرفوضاً عندما يصل إلى المنصب؟ نقطة سطر جديد إخلاص محمدابراهيم
الغرابي «سيد الحماس»… فلماذا يصبح صوته مرفوضاً عندما يصل إلى المنصب؟
نقطة سطر جديد
إخلاص محمدابراهيم
نحن السودانيين مشهورون بالأغاني الحماسية في كل مناطق السودان، وهذا يُعد جزءاً أصيلاً من إرثنا الثقافي والاجتماعي. وما لفت انتباهي أغنيات تُذكر فيها عبارات «الغرابي» و«الغرباوي»، والغرابي أو الغرباوي معروف بأنه من إقليم كردفان أو إقليم دارفور.
والموقف مشهود ومعروف: بمجرد أن تكون هناك مناسبة خاصة أو عامة يُذكر فيها «الغرابي» أو «الغرباوي»، وبدون أن يشعر الفنان أو الفنانة، تنهال عليهما الأموال فيما يُعرف بـ«النقطة»، ويعلو الحماس إلى أعلى درجاته. وقد يصل الأمر بالغرابي أو الغرباوي، من شدة الحماس، إلى أن ينفق كل ما في جيبه، وربما كل أمواله، دعماً للفنان أو الفنانة.
لكن العجيب أن هذا المشهد يتغير تماماً عندما يُمنح الغرابي أو الغرباوي وزارة أو منصباً سياسياً.
فما إن يُعلن عن تعيين شخص من دارفور أو كردفان في منصب وزاري، حتى تبدأ الاحتجاجات والاعتراضات، وكأن مجرد حصوله على منصب يمثل مشكلة. بل أحياناً، إذا مُنحت وزارتان لشخصين من هذه المناطق، تجد كثيراً من السودانيين يحتجون ويتساءلون: لماذا مُنحت هذه المناصب لأبناء هذه المناطق؟
وهنا أتساءل:
أليس الغرابي أو الغرباوي «سيد البلد» عندما يدفع أمواله للفنانات والفنانين؟ فلماذا لا يكون «سيد البلد» عندما يُمنح منصباً وزارياً أو موقعاً سياسياً؟
لماذا نقبل منه أن يدفع أمواله بسخاء في مناسبات الغناء والحماس، ونرفضه عندما يصل إلى موقع من مواقع المسؤولية؟
ما هذه الازدواجية؟
إذا كان الغرابي أو الغرباوي جزءاً أصيلاً من هذا الوطن عندما يدفع ماله ويشارك في أفراحه ومناسباته، فهو أيضاً مواطن كامل الحقوق عندما يتعلق الأمر بالوظيفة العامة والمشاركة السياسية.
نحن بحاجة إلى أن نراجع أنفسنا، وأن نتخلص من هذه الازدواجية في النظرة إلى أبناء الوطن. فالمنصب العام يجب أن يكون معيارُه الكفاءة والاستحقاق والقدرة على خدمة السودان، وليس المنطقة أو اللون أو الانتماء الجغرافي.
فالغرابي الذي نحتفي بحماسه ونقبل أمواله في «النقطة»، لا ينبغي أن نرفضه عندما يصبح وزيراً أو مسؤولاً.
هذه ليست قضية غرابي وغرباوي، وإنما قضية عدالة ومساواة ومواطنة.
فإذا كنا نريد سوداناً واحداً، فعلينا أن نتعلم أن نحترم أبناءه في الفرح كما نحترمهم في المسؤولية، وأن نرفض كل أشكال الازدواجية التي تجعل مواطناً مرغوباً عندما يدفع، ومرفوضاً عندما يتولى منصباً.
السؤال الذي يفرض نفسه: متى يصبح الغرابي «سيد البلد» في كل الأحوال، وليس فقط عندما يدفع «النقطة»؟