
*الكاميرا الجارحة* حسين خوجلي *دار للنشر والكتاب لوجه الله يا سيادة الرئيس*
*الكاميرا الجارحة*
حسين خوجلي
*دار للنشر والكتاب لوجه الله يا سيادة الرئيس*
كان المدرس الشاب حسن نجيلة معلماً في المعارف السودانية، لم تكن له مدرسة ولا فصول ولا زملاء، كان يحمل سبورته وعلبة الطباشير ومحبته لمهنته على جمل أصهب، يرتحل مع قبيلة الكبابيش أنى رحلت، وكل ما استقر بها النوى اختار شجرة هشاب ظليلة، وتحلق حوله الطلاب الرُحل ينظرون له نظرة إعجاب ومودة، وهو يقاسي كل هذه الرحلات العجاف يُعلمهم اللغة والدين والتاريخ والجغرافيا والحساب، وفوق ذلك القدوة الصالحة. وأكاد أجزم أن كل الرعيل الأول من المثقفين والتكنوقراط المتميزين من أبناء قبيلة الكبابيش قد تخرجوا من بين يدي ذلك الرجل الأمة. وعندما غادر مهنة التعليم، دلف بذات المحبة إلى المهنة الأكبر، مهنة تثقيف الشعب فاختار الصحافة ولا ينسى جيل الخمسينات والستينيات والسبعينات، صفحاته المشرقات بصحيفة (الرأي العام) الأسبوعية والتي هي جِماع ساحر ما بين الفكر والسياسة والثقافة وحركة المجتمع.
ومثلما تخرج من بين يديه المئات من قبيلة الكبابيش العريقة فقد خَرّج المئات من الصحفيين والإعلاميين والكُتاب من تحت عباءته وعمامته الشهيرة. ولم ينس الرجل تلك الأيام الخصيبة التي قضاها بين أهله من قبيلة الكبابيش العربية العريقة، فأصدر عنها كتابه ( ذكرياتي في البادية) وهي برغم حداثة تجربته في التأليف تظل واحدة من الكتب المؤسسة في تاريخ ثقافتنا السودانية، وقد أضاف قبلها كتابه الشهير( ملامح من المجتمع السوداني) الذي لا يقل ثراءً وفائدة من (ذكرياتي في البادية) و( ذكريات في دار العروبة).
وأرجو من أبنائه وبناته وأصهاره بالأسرة العريقة أن يجمعوا مقالاته ومذكراته لتصدر أعمالاً كاملة، فهذا الجيل المحروم من شرف الكتاب والمطالعة، يحتاج لمثل هذا الإرث المزان بالتجربة العملية والواقعية والخالية من التجريد والخواطر، ونحت الذهن لتوليد المفاهيم المصنوعة.
وإني لأخاطب من هذا المنبر الأخ الرئيس الفريق عبدالفتاح البرهان بأن يساهم معنا في تأسيس دار نشر لطباعة الكتاب السوداني بطريقة مشرفة وطبعات تسر الناظرين، لأن مشاركتنا في معارض الكتاب المختلفة أدنى ما يقال عنها بأنها مُخجلة. وإننا لا نرضى لأنفسنا ولا لكُتابِنا ولا لعلمائنا أن يغيبوا عن هذه الساحات، ويشهد لهم العالم أجمع بأنهم أثروا الكثير من العواصم العربية والعالمية بتجاربهم الفكرية الثرة ومساهماتهم الحية في الإضافة الجديرة بالإحترام في الفكر العالمي.
هل تعلم ياسيادة الرئيس أن معرض القاهرة للكتاب الأخير الذي يعد بترينة لعرض ثقافات الشعوب قد خلا تماماً من مطبوعات البروفيسر عبدالله الطيب، المحجوب، الحبر يوسف نور الدائم، عبدالله علي إبراهيم، التيجاني الماحي، المجذوب، وجماع، والعباسي والطيب صالح والمئات من كتب التاريخ والتراجم والموسوعات والعلوم بشتى ضروبها، مما جعل القارئ العربي يتساءل في حزن وحيرة ، من هو هذا الذي كتب هذا الغياب المر للخرطوم عن هذا المحفل الكبير.
دار نشر باذخة يا سيادة الرئيس ليست معنية بالربح ولا الصيت ولكنها مهمومة بشعب نبت غرسه من الكتاب، والعلم والحكمة والمثاقفة والبلاغة. دعونا نبدأ بطباعة مئة كتاب من الكتب المؤسسة فكراً وأدباً وشعراً وتاريخاً وسياسة واجتماعاً وفلسفة وروايات ومذكرات . حتى يشعر القارئ السوداني والعربي بأنه أمام صالة لكتاب أسمر جدير بالاحترام.
وبيت القصيد أن شعباً يملك ذهب المعز وسيفه لا يعجزه أن يُرضِي أحمد بن الحسين ويجعل شعاره في مقدمة ليلة الافتتاح:
*أَعَزُّ مَكانٍ في الدُنى سَرجُ سابِحٍ
وَخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كِتابُ*
*حسين خوجلي*