الأعمدة

( المراكز الثقافية والأندية الرياضية ) كتب : بدر الدين العتَّاق

المتغيرات في العادات والتقاليد السودانية

( المراكز الثقافية والأندية الرياضية )

كتب : بدر الدين العتَّاق

كان أوَّل عهدي بالمراكز الثقافية والفنية والأدبية والفكرية والرياضية والاجتماعية وما إلى ذلك، قبل واحد وأربعين سنة ماضية وحتى الآن، وأذكر أنني التحقت بمركز شباب أم درمان أوَّل الأمر سنة ١٩٨٥ ومعي مجموعة من أبناء بيت المال، وكان عمري آنذاك عشر سنوات بالضبط، واتفقنا ساعتها أن نسجل في منشط كرة القدم لما لحي بيت المال من دور فاعل وقوي في رياضة كرة القدم، وربما دار في خاطرنا أن سيكون لنا دور فاعل مقبل الأيَّام بفريق الكرة بالحي أو بالنادي المؤسس سنة 1943 – نادي بيت المال الثقافي الرياضي – ، أو قل كان ذاك هو النشاط الأبرز والأهم في أغلب أحياء أم درمان القديمة، وذهبنا نستبق الباب للتسجيل في إدارة مركز شباب أم درمان، وكان المسجل آنذاك المرحوم صديق عز الدين، لعله أخا عوض عز الدين صاحب جراج سيارات المرسيدس بالحي عند مشارف النيل من الجهة الغربية بينه وبين حي أبي روف العريق ، وسجل الإخوة الكرام ( الشهيد أحمد يوسف كمبس / عليه رحمة الله / وملي ملواك راو وتامر مكي – رحمه الله – ) في منشط كرة القدم بينما كنت مبيتاً النية أن أسجل في منشط رياضة الكاراتيه، وأذكر تعلقي بهذه الرياضة منذ ابك السنة العمرية وحتى الآن ، وبدأت عند آخر سنة دراسية بمدرسة بيت المال الصف الخامس الابتدائي حين وجدت إعلاناً معلقاً بباب المدرسة الناحية الغربية يفيد بأنَّ هناك فرصاً في مركز شباب أم درمان لهذه الرياضة بجانب كرة القدم ومناشط أخرى كثيرة منها الغناء والعزف على الآلات الموسيقية وخلافه، وحين دخلنا على المرحوم صديق عز الدين خالفت زملائي وقُيِّدت بمنشط الكاراتيه بينما ذهب الآخرون لكرة القدم ، واستمررت فيها اجازة الصيف كله .

 

لفت انتباهي تلك الفترة أنَّ هناك مناشطاً أخرى خلاف الموسيقا والغناء والرياضة في المركز وغيره هي الدراما والفنون ، فبعد مرور الزمن وانتهاء فترة تعليم الكاراتيه راقبت المحاضرات والدروس والخطب والدراما عبر التلفزيون والإذاعة السودانية بالتحديد لأنَّ والدتي – رحمها الله رحمة واسعة – كانت تعشق الدراما الإذاعية بصورة كبيرة، وكان الراديو الانيس الوحيد المباشر لقتل الوقت والسلو، فما لبثت أن تعلقت بالسماع النمطي لأصوات الممثلين في شكل النصوص المكتوبة عبر الأداء الصوتي .

 

بين سنة ١٩٨٧ إلى سنة ١٩٩٠ كانت تدرس لنا في المدارس المتوسطة مادة ” المكتبة ” ، وكنت احمل فوق رأسي كتباً تأكل الأفكار منها مقالات ومقاطع شعرية وبعض الخواطر والنثر والقصص الفطير، وبحثت عن منبع يشبع رغبتي في القراءة والكتابة الإبداعية غير الرياضة الموسمية التي كانت في الصيف فقط أيَّام العطلات المدرسية بين الصف والصف الذي يليه، وقد وفقت في مكتبة بل مكتبات عزيزات على نفسي ولها أثر كبير ومباشر في نفسي وطريقي نحو الأدب والشعر والكتابة بشكل عام وهي مكتبة ” أم درمان المركزية ” ومكتبة ” البشير الريح العَامَّة ” .

 

مكتبة ” أم درمان المركزية ” ، كانت تقع في شارع خلف مستشفى أم درمان وجوار مبنى البوستة البريد والبرق ، وكانت صغيرة المبنى، ووجدت فيها كُتُبَاً قيمة وذخائر نفائس من شتى المجالات الفكرية الأدبية وأخص بالذكر دواوين شعرية للمعري وامرئ القيس وكل شعراء الجاهلية، ووقفت طويلاً عند المعري ونشأت علاقة وطيدة بيني وبين شعره وكذلك كتب السيرة النبوية وعلومها وبعض كتب التاريخ الإسلامي والفقه والحديث الشريف وعلوم اللغة العربية وما إلى ذلك، ولفت انتباهي ديوان ” اللزوميات ” و ” الدرعيات ” للمعري وهي صعبة للغاية في القراءة ناهيك عن فهمها لكنني اعجبت بها حد الثمالة.

انتقلت هذه المكتبة من بعد بداية التسعينيات بالقرب من مدرسة المؤتمر الثانوية العليا التي أنشأها – أي مدرسة المؤتمر – أقطاب مؤتمر الخريجين 1938 مع عُدَّة مدارس منها مدرسة أم درمان الأهلية بنين جوار منزل الزعيم الأزهري ونادي الخريجين كذلك ، والمكتبة مقابلة لجامع النيلين هي من الناحية الغربية والمسجد من الناحية الشرقية وبينهما شارع الأسفلت المؤدي إلى الكبري الحديدي تجاه الخرطوم ، ولا أحسب أن كان لها روَّاداً لأنها بعدت عن متناول اليد والقدم .

 

أمَّا مكتبة ” البشير الريح العَامَّة ” ، فأعطتني مساحة أوسع في الاطلاع والمذاكرة والبحث العلمي والتنقيب والتلخيص، واذكر كتاباً اخضراً نسيت اسمه فيه أبياتاً شعرية للدكتور طه حسين ، كتبها رداً على الأستاذ الدكتور أحمد حسن الزيات رئيس تحرير مجلة الرسالة التي تصدر من مصر بتاريخ ١٩١٠ منها :

 

آه يا زيَّات ما أحلى ساعات الأماني

هن قد هجن لنفسي ذكي سحر وعنان

أنا لولا سوء حظي لم أكن إلَّا ابن هاني

 

بجانب مقطوعتين أخريتين

وكانت تفتح أبوابها منذ الصباح واجيئها أنا عند الخامسة مساءً وغالباً ما أصلي المغرب هناك أو بعده بقليل ، والملفت للانتباه سعة المكتبة وارففها الكثيرة المتنوعة العلوم الإنسانية المعاصرة، ثم المساحة المخصصة لمناقشة الكتب التي تصدر حديثاً عن دور النشر ومنها شهدت تدشين كتاب ” موسوعة القبائل والانساب في السودان ” للبروفيسور عون الشريف قاسم، تقديم البروفيسور محمد الواثق، إلى جانب محاضرات يقدمها البروفيسور الحبر يوسف نور الدائم – رحمهم الله جميعاً.

 

وموسوعة البروفيسور عون الشريف قاسم، كانت في منتصف التسعينيات من القرن الماضي لا منتصف الثمانينيات لكن فقط أردت التنبيه على سعة المكتبة وتعدد محاور الثقافة فيها .

 

في إحدى مواضع المكتبة كانت تناقش بعض القصائد الشعرية لشعراء شباب وكانت تقرأ بشكل جيد وجميل، وكانت تنتقد من أستاذ اسمه إسماعيل، لا أعرف عنه شيئاً الآن وشعره بوب مارلي ، وكان مهذباً ومتواضعاً في تعليقه على الشعر وعلى ملكات الشباب ومن بين الشعراء شاعرات حسناوات، يدلين بدلوهن ويدنين من شِعرهن الشيء الجيد والجديد.

 

عدت إلى مركز شباب أم درمان سنة ١٩٨8 الصيف المقبل مقيداً في سجلات رياضة التايكوندو ومكثت فيها ما شاء الله لي أن أمكث، وكنت أزور بقية المناشط في المركز متجولاً بين منشط كرة الطائرة وبين غرفة الآلات الموسيقية، واعجبتني الكرة الطائرة في الناحية الجنوبية من المركز بيد أنني لم اخالطها ولم تخالطني ثم رياضة الجمباز التي خشيتها جداً ، وبدأت اللعب فيها والتدريب عليها لكن لم تطب لي مرقداً وكانت بجوار ملعب الكرة الطائرة، ومن الناحية الشرقية ملعب كرة السلة بينه وبين مسرح البقعة البوابة الرئيسة الجنوبية للمركز وعلى شرقييها مكاتب الإدارة ومكتب التسجيلات للأنشطة الرياضية المختلفة.

 

سنة ١٩٩١ تعرَّفت على مركز ” قصر الشباب والأطفال ” في أم درمان جوار مستشفى السلاح الطبي ومقابل مسجد النيلين وجامعة القرآن الكريم والبرلمان، والتحقت فيه بمنشط لعبة الجودو وقضيت صيف ذاك العام كله في هذه الرياضة الممتعة حقيقة وهي أقرب للصراع التقليدي في جبال النوبة وسط السودان بولاية جنوب كردفان ، ومن ثم عممت فكرة التنقل بين المراكز الثقافية والفنية والأدبية أكثر من الرياضية.

 

سنة ١٩٩٤ دخلت مركز ” شباب الربيع ” بحي العباسية أم درمان، والتحقت فيه بمنشط لعبة كمال الاجسام وبناء العضلات، الذي حل محله اليوم صالات الجيم والأدوات الرياضية الحديثة، ولم اكمل صيف ذاك العام في هذه اللعبة اتغيب المدرِّب كثيراً ، واتجهت للعمل في مكتبة بشارع الإذاعة والتليفزيون والمسرح القومي لصاحبها الأستاذ / صلاح نورين ، المعد والمقدِّم للبرنامج الإذاعي ” أصوات وبريق ” بائعاً للصحف والمجلات والأدوات المكتبية والمدرسية إذ كانت بالجوار عُدَّة مدارس للبنات و بالجوار أيضاً ” اتحاد فن الغناء الشعبي ” والمطبعة وخلافه .

 

الشاهد في الأمر، إنَّ مدينة أم درمان زاخرة بالمكتبات العَامَّة والأندية الرياضية والثقافية واعتقد أنَّ التوزيع الجغرافي لهما لم يخطط لهما عبر منهجية التوزيع الديمغرافي للجهات المختصة بل نشأت في الأصل من الاهتمام العام لسكان المنطقة وعموم ولاية الخرطوم، بالتثقيف والتحصيل العلمي والثقافي والرياضي.

 

وعلى ذات السياق كانت حاضرة الهجرة أم درمان مكتبة تعرف بمكتبة ” الهجرة ” بحي ود نوباوي العريق، وكنا نستلف منها الكتب والمجلات والصحف المحلية وكانت تتميز بالكثرة الكثيرة في الروايات العاطفية مثل سلسلة روايات للجيب ” روايات عبير ” اذكر منها رواية ” حارس القلعة ” الرواية الوحيدة التي قرأتها من هذه السلسلة ، وروايات ” زهور ” ذات السِنخ ، وسلسلة رجل المستحيل / أدهم صبري / للكاتب الكبير نبيل فاروق رمضان، رحمه الله ، وروايات اجاثا كريستي وارسين لوبين ومجلة سيدتي والكواكب وحواء وسمر وهو وهي وطبيبك الخاص التي تعنى بالتثقيف الطبي الأسري وتتناول قضايا مهمة ومتطورة، ومجلة اللواء الإسلامي التي تصدر من مصر وتحمل صحيفة ورقية بذات الاسم، وكذلك مجلة الصبيان السودانية ومجلة ماجد الإماراتية وهي سلسلة ممتعة وجيدة في تثقيف الناشئة ولا يكاد يخلو بيت في السودان منهما – الصبيان السودانية وماجد الإماراتية – ومجلة ميكي ماوس وصديقته ميمي، وسمير وسلسلة المغامرون الخمسة والشياطين الـــ 13 والشخصيات الكرتونية الشهيرة المصورة ” تان تان في الجزيرة السوداء ” وطرزان وأحسب أنَّ قصة ماوكلي الشهيرة مقتبسة من طرزان وتان تان والله أعلم ، وصدرت في بداية تسعينيات القرن الماضي مجلة الخرطوم المعنية بالتخصص الثقافي لكبار الكُتَّاب العرب والسودانيين على وجه الخصوص ويرأسها المرحوم فراج الطيب السرَّاج ، وهناك مجلة الرسالة المصرية التي يرأسها أحمد حسن الزيات أو ما تبقى منها ، ومجلة الجيل التي يرأسها الأستاذ الراحل بشير سر الختم عثمان / إن لم تخني الذاكرة / ، بجانب الصحف السودانية اليومية السيارة والمصرية أحياناً .

 

وليس ببعيد عن الأذهان بحي سوق الشجرة الامدرماني مكتبة ( كوكب الشجرة ) وفيها أغلب كتب مكتبة ” الهجرة ” بود نوباوي والإقبال عليها أقل من الاقبال على الأخيرة، وكانت على شارع الزعيم الأزهري مطلع كبري شمبات محطة بيت المال مكتبة / كُشُك / صغيرة متواضعة جداً أعمل عليها أيَّام العطلات المدرسية وما زالت موجودة حتى الآن وبالقرب من مدرسة أم درمان بنات في ذات الشارع الرئيس مكتبة أيضاً ولصق بيت الزعيم الازهري مكتبة تتوسط صينية الضو حجوج مقابل مدرسة أم درمان الأهلية بكازينو الملازمين، ويلاحظ أنَّ قصاد كل مدرسة أو حي توجد مكتبة متعددة الأغراض.

 

الخرطوم، ليست بعيدة عن هذا التثقيف والتوعية المستمرة بل أنشأت أكبر مكتبة بوسط المدينة وهي مكتبة ” القُبَّة الخضراء ” التي احسب منشئها العميد يوسف عبد الفتاح، والي الخرطوم الأسبق بداية حكم العسكر، وكانت غزيرة الكتب التاريخية والأكاديمية والمتخصصة والعلمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والبحوث العلمية وغيرها، لأنَّها تتوسط عُدَّة جامعات ومعاهد عليا بوسط العاصمة وزوارها كثر لكن غلبت عليها فيما بعد المواعدات الغرامية والله أعلم.

أنا كنت أزور مكتبة ” القُبَّة الخضراء ” بين الحين والآخر لكنني لم استسغها لكثرة الرواج والزوار والحركة وابتعاد الناس عن جادة التحصيل العلمي الذي من أجله أنشأت المكتبة، وكنت أرتاح جداً لمكتبة ” البشير الريح العَامَّة ” بأم درمان أجد نفسي فيها ربَّما لأنهَّا قريبة من منزلنا ببيت المال ولأنَّها هادئة ومنظمة وموزعة النشاطات الثقافية ، ومن بعد هُدِمَ هذا الصرح الشامخ ليحل محله ” برج مول الواحة التجاري ” ، وكان قبل هذا وذاك يعرف بسوق الخرطوم الكبير المسقوف بالزنك حتى بداية عهد الرئيس السابق البشير ١٩٩٠ تقريباً، وتحولت المكتبة إلى مكتبات صغيرة ملاصقة لجامعة النيلين وجامعة الخرطوم وجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، ووزعت الكتب بينهم ومكتبات أخر أغلب الظن ، وبعد ذلك تم حرق برج مول الواحة بوسط العاصمة وصار رماداً تذروه الرياح 2023 وكان ربك على كل شيء مقتدراً.

 

ومن المكتبات الشهيرة بشارع الجمهورية بالخرطوم ، مكتبة ” دار القلم ” التي كانت عند عمارة التأمينات بينها وبين مبنى البنك التجاري الذي بالناصية تقاطع شارع عبد المنعم محمد مع شارع الجمهورية ، و” دار القلم ” كنت ارتادها منذ الصغر لأنَّها بجوار مكتب والدي رجل الأعمال وأحد روَّاد الاقتصاد السوداني السيد / إبراهيم العتَّاق ، فكنت أخرج من المكتب إليها وحتى بعد أن زال المكتب كنت أزورها بين الحين والآخر محبة وتيمناً ، ومكتبة ” دار عزَّه للنشر ” مقابل جامعة الخرطوم ، وأيضاً مكتبة ” مروي بوكشب ” ومكتبة ” الشريف الأكاديمية ” بشارع البرلمان وأسعارها عالية للغاية، وغيرهم بوسط الخرطوم .

 

من أهم محطات المكتبات العَامَّة في مدينة أم درمان وتعتبر من أبرز معالمها السياحية والتاريخية هي مكتبات ” المحطة الوسطى ” غرب مبنى البوستة الشهير أو مصلحة البريد والبرق ، وكانت سوقاً مفتوحة رائجة للغاشي والماشي وزهيدة الثمن وتحوي المراجع التاريخية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأدبية والفكرية والفنية والتعليمية الفريدة والنفيسة وكل ما يخطر على البال من كتب ، وكانت تفرش على الأرض بعد امتلاء الأرفف المعدة خصيصاً لها، ومن أشهر الباعة آنذاك الدكتور مالك، نال الدكتوراه في اللغة العربية وعلومها، لكنه آثر أن يكون بائعاً للكتب وكنت أزوره كثيراً جداً وكانت تأتيه الطلاب والطالبات ينهلون منه ومن مادته الشيء الكثير المفيد وأغلب مكتبتي الخاصة بالبيت التي تبلغ حوالي خمسمائة عنواناً أغلبها في الأدب العربي، ابتعتها من هذا المكان، ثم ما لبثت أن تحولت هذه المكتبات العَامَّة إلى شرق جامع أم درمان الكبير وزيدت أسعار الكتب بشكل كبير وطغت المذكرات التعليمية للسنوات الأخيرة من الصفوف النهائية للمراحل الدراسية على بقية العناوين في المجالات سابقة الذكر، واعتبرت تجارية أكثر من كونها تثقيفية ولا أدري ما حدث لها بعد عام ٢٠١٥ / 2023 أين ذهب الكتاب والكُتَّاب والمكتبات.

 

رُبَّما تكون هناك مكتبات ومراكز رياضية لم أذكرها في مدينة أم درمان، بل مؤكد، لكن ما ذكرته كنت ارتاده بشكل شبه يومي وغالباً ما يكون السير مشياً على الأقدام من المنزل إلى الجهة المحددة، والسينما والمسرح القومي لا افوتهما البتة وكان يوم الخميس من كل أسبوع أو كل شهر أو كل ما تتاح الفرصة نذهب إلى دور العرض السينمائي لمشاهدة أفلام الآكشن والمغامرات وأكره الأفلام الهندية لأنَّها مكررة الفكرة والمحتوى من عينه واحدة، والسينما العامل الأساس فيها هي توفير قيمة التذكرة البالغة جنيهاً واحداً، وكان هذا الجنيه عزيزاً جداً ، ولا نركب المواصلات العَامَّة بل المشي الممتع سيراً على الأقدام.

 

سينما أم درمان والوطنية وبانت غرب ومسرح ميسرة السرَّاج خلف مستشفى الوالدين للعيون بشارع العرضة ، وكذلك سينما بحري وكوبر وكولوزيوم والنيل الأزرق وسينما قاعة الصداقة وقصر الشباب والأطفال وغيرها، من أهم محطات التثقيف والتوعية لجيلنا آنذاك، لكن طغت عليها الأفلام الهندية في ثورة الهوس الديني فعزف عنها الكثيرون من المتطلعين إلى الفكر والمعرفة والترفيه، وكانت من أكبر أخطاء سياسة الخط الإسلامي والفقه الإسلامي الحاكمين فأصابا الناشئة والمهتمين بالشأن العام المعرفي في مقتل، ونتجت عن ذلك الآن خطاب الكراهية والبغضاء والعنصرية والجهوية والاثنية والقبلية والمناطقية وخلافه ومن ثم دمرت واجهة الدولة وتماسكها ولحمتها الاجتماعية، وباعدت بينهم وبين ما يحلمون ويشتهون ، فكانت حرب أبريل ٢٠٢٣ المستمرة حتى الآن، ووجه الخطاب العام للشعب السوداني أن هلموا للقتال واتركوا المكتبات والمعلومات والعلم ومجالسة العلماء إلا قليلاً ولله الأمر من قبل ومن بعد.

 

يمكنني تلخيص هذه الكلمة المقتضبة جداً حول العادات والتقاليد المتغيرة في السودان – المكتبات العَامَّة والأندية الرياضية – في عُدَّة نقاط أهمها:

الرغبة الشخصية في التحصيل العلمي والثقافي والرياضي والمعرفة والترفيه بكل وجوهها، ولا سيما العلماء والمفكرين والمثقفين أن يكونوا زاداً لي في طريق المستقبل القريب.

 

الأمر الثاني هو طبيعة التركيبة السكانية الاجتماعية الامدرمانية في التثقيف والتوعية المستمرة والرياضة بكل مستوياتها ومسمياتها ، وأخص بالذكر كرة القدم ومناشط الدراما والفنون والموسيقا والمسرح، فالحركة الاجتماعية لأحياء أم درمان الكبرى كانت تضج بين الذهاب إلى دار الرياضة بأم درمان وبين المكتبات العَامَّة والأندية الرياضية المختلفة، من أبرز معالمها الأثرية والتاريخية والثقافية والاجتماعية وخلافه بشكل كبير وواضح ومباشر ويمكن تعريفها بالسودان المصَغَّر لما حوته من ثقافات مختلفة من التعدد الاثني الواسع في السودان.

 

ومن نافلة القول، الاهتمام العام لسكان المنطقة بالتربية والتعليم والمسائل الاجتماعية الخاصة والعَامَّة للأسر الامدرمانية، فكانت عبارة عن رؤية جماعية لنمط حياتي استثنائي تاريخي سياسي وفكري وخلافه، وبرز منها كثير من رجالات الدولة في كل المجالات الحياتية المختلفة وصارت سمة مميزة عالمية مواكبة للتطورات العالمية الحديثة في ذات المجال.

 

أنا لم استوف كل حلقات التثقيف والتوعية لجيلنا آنذاك لكن اختصرتها اختصاراً غير مخل، وعلى سبيل المثال اذكر قاعة المؤتمرات والندوات المصغَّرة بجامعة القرآن الكريم بأم درمان سابقاً، وكانت اسمها أوَّل الأمر بقاعة ” الشهداء ” ثم غيرت لاسم قاعة ” الزهراء ” ، وكنت من رُوَّادِها بلا منازع وكانت تتلى على مسامعنا السيرة النبوية وعلومها وبعض العلوم الإنسانية المعاصرة، وكان محدثنا الأساس الأستاذ القدير الدكتور تاج السر، المعروف بتاج السيرة النبوية لحفظه لها عن ظهر قلب وبالتحديد المغازي والمعارك التاريخية الاسلامية ، وكذلك المرحوم الدكتور أحمد علي الإمام، مستشار رئيس الجمهورية الأسبق لشؤون التأصيل، ومنزل الأستاذ القدير عبد اللطيف عمر حسب الله، كبير الإخوان الجمهوريين بمدينة الثورة، كان لي منزلاً روحياً مباركاً يليق به وبصاحبه والاخوان الجمهوريين بلا منازع ، وقاعة الشارقة جامعة الخرطوم ، كانت لي ملاذاً آمناً ومتكئاً مريحاً ورفرفاً عبقرياً فيه جهابذة العلم والإبداع والمعرفة والثقافة والفكر أمثال البروفيسور عبد الله الطيب والحبر يوسف نور الدائم ومحمد إبراهيم أبو سليم ويوسف فضل حسن وحسين النور وجعفر ميرغني ومحمد الواثق والقائمة تطول للغاية، فرحمهم الله جميعاً وحفظ من تبقى منهم.

تظل الأندية الرياضية المختلفة والمكتبات العَامَّة والخاصة بالسودان وبنيه، هي الرصيد الحقيق عملياً لمن يطلب العلم والحضارة والريادة والرياضة البدنية فالعقل السليم في الجسم السليم غير المعتل بالادعاء والسفسطة والغوغائية والسوقة والرجرجة والدهماء وجعجعة دون طائل كما نراها الآن في السوشيال ميديا وصفحات الانترنت ومنصات المجاملة الفطيرة التي لا تخدم غرضاً ولا تشبع نهما ذوَّاقاً ، وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى