
المقال رقم ( ١6) جزء من الحقيقة ١٦ لوطني: مقالات بحثية تحليلية لواقع السودان اسباب تخلف الدولة السودانية ؟ عدم كفاءة وفاعلية مؤسسات الدولة في تحقيق اهدافها التي انشات من اجلها
المقال رقم ( ١6)
جزء من الحقيقة ١٦
لوطني: مقالات بحثية تحليلية لواقع السودان
اسباب تخلف الدولة السودانية ؟ عدم كفاءة وفاعلية مؤسسات الدولة في تحقيق اهدافها التي انشات من اجلها
إدارة موارد الدولة ( المال العام ) ( ١٦ )
الأصول العامة وإدارة المال العام
ذكرنا في المقال الرابع عشر ان إدارة موارد الدولة تشمل اربع مهام أساسية هي كيفية حصول الدولة علي مواردها و كيفية تخصيصها وكيفية انفاقها وكيفية مراقبة استخدامها كما ذكرنا ان موارد الدول ( المال العام) ينقسم من حيث مصادره إلى أربعة أنواع رئيسية:-
١-الإيرادات العامة ٢- الأصول العامة ٣- الأموال النقدية و الارصدة العامة ٤- الحقوق والمنافع العامة ثم تناولنا بالتحليل الإيرادات العامة واتبعناها بمقال عن القروض الخارجية باعتبارها إيرادات تحصلت عليها الدول الا انها ذات خصوصية شاذة كإيرادات في خزينة الدولة اذ انها ديون واجبة السداد مع فوائدها وفقا للاتفاقيات الملزمة لها.
٢-١الأصول العامة :-
تمثل الأصول العامة أحد أهم أشكال الثروة الوطنية فهي تشمل الأراضي والعقارات الحكومية والطرق والجسور والموانئ والمطارات وشبكات المياه والكهرباء والمؤسسات والشركات و الهيئات والمؤسسات المملوكة للدولة و الموارد الطبيعية كالأراضي الزراعية والمعادن والنفط كما تشمل الأصول المتداولة كالعربات والاليات والمولدات والمكيفات والاثاث المنزلي والمكتبي وغيرها من الأصول التي تم تملكها من إيرادات الدولة مهما كانت مسمياتها او مكان تواجدها وان كبرت قيمتها او صغرت.
واقع السودان في إدارة الأصول العامة:-
تأتي اهمية هذه الأصول والتي تمثل استنزاف مستمر لإيرادات الدول في شكل صيانات دورية وتجديد للإهلاك كما ان امتلاكها وتسييرها واستخراجها يعتمد علي ضخ مستمر من إيرادات الدولة العامة لذا لا تقتصر أهمية هذه الأصول على قيمتها المالية المتزايدة والمتراكمة بل يجب ان تمتد أهميتها الي مدي قدرتها على توفير الخدمات العامة وتحفيز الإنتاج وخلق فرص العمل وتحقيق الإيرادات وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
تتمثل مشكلة في السودان في ما يختص بالأصول العامة في ضعف قدرة الدولة على حصرها وحمايتها وتشغيلها وصيانتها واستثمارها بما يحقق أكبر منفعة عامة ممكنة ومن ثم فإن إصلاح إدارة الأصول العامة ينبغي أن ينتقل من مجرد المحافظة على الممتلكات الحكومية إلى إدارتها باعتبارها ثروة وطنية بنيت من ايرادات الدول و يجب حماية قيمتها وتعظيم عائدها الاقتصادي والاجتماعي. تعتبر الشركات والهيئات والمؤسسات أصول عام حيث انشاة من أصول وايرادات عامة كما انها تمثل مستودع لأصول عامة متنوعة وتعتمد ديمومتها علي ضخ إيرادات عامة اما في شكل أصول إضافية او أموال تشغيلية وتسييريه وتكاليف صيانة لتقديم خدمة ومنفعة مجتمعية او لتحقيق إيرادات عامة ولتعقيداتها المشرعة لها وكينونتها القانونية سوف نفرد لها مساحة منفصلة من التحليل والتقييم وسبق ان تناونا مجالس الإدارات كسجم منوط به مراقبة وتقييم وتصحيح مسارها بجزء يسير من التحليل في مقالاتنا السابقة الا اننا سوف نفرد لها مجال واسع من التحليل والتقييم ان شاء الله بعد اكمال كتابة مقالاتنا وفقا لخططنا التي بيناها لكم . في هذا المقال سوف نتناول الأصول العامة للدولة غير الشركات والمؤسسات والهيئات ونتطرق للظواهر السلبية في إدارة الأصول العامة في السودان وسبل إصلاحها.
1- في بلد مترامي الأطراف متقلب أنظمة الحكم يعاني من تضارب مستويات الحكم في الصلاحيات والواجبات اذا لا يتمتع بالمركزية المطلقة ولا بالولائية النافذة تغيب فيه المسائلة والمحاسبة وتعتمد القرارات في نفاذها لشخصية متخذها وتلعب فيه القوي التقليدية والسياسية دورا كبيرا في تشكيل القرارات والصلاحيات والمصالح ظل المال العام بكل اشكاله مرتعا متاحا لكل من له صولة مستندة علي صلاحيات سلطوية قانونية او قوة قائمة علي حركة مسلحة او نفوذ اهلي او عشائري او مقدرة مالية مغرية .
2- غياب جسم مركزي ذو هيكل اداري قانوني يقوم بالأشراف وإدارة الأصول العامة من حيث حصرها وحمايتها وتقييمها وتخصيصا غيب الرؤية الكلية و النظر المستقبلية للاستفادة منها بصورة مثلي كما ان عدم حصرها حصرا شاملا ودقيقا جعلها تستغل ويتم الاستيلاء عليها وتكون هدفا لكل طامح في ظل غياب القوانين الرادعة وعدم إمكانية تطبيقها مع ضبابية الجهة المنوط بها حصرها وحمايتها واستغلالها في ظل مستويات الحكم المركزي والولائي والمحلي مع وجود اختلاف مفاهيمي بين مستويات الحكم في أيلولة بعض الأصول العامة.
3- منح أراضي او عقارات حكومية لأفراد او شركات دون إجراءات عادلة اذ ان تخصيص أراضي حكومية بسعر يقل كثيرا عن قيمتها ممارسات شائعه ومتكررة وتتم بصورة غير معلنة وبدون مزاد علني وتعتبر الأراضي من اكثر الأصول العامة التي يتغول عليها بطرق عدة
4- منح امتياز تشغيل مرفق عام لشركة مرتبطة بمسؤول او تفضيل المقربين في عقود الإيجارات او البيع من اشكال المحابة والفساد في استغلال الأصول العامة في تحقيق منفعة شخصية مع تغييب المصلحة العامة.
5- عدم الاستغلال الأمثل للأصول وهذا يتضح في سوء التشغيل وبقاء أصول كبيرة معطلة او مستخدمة باقل من طاقتها وذلك جليا في المصانع الحكومية ويمكن ان نستدل بالسكة حديد وامكانياتها المجمدة في خدمة الاقتصاد الوطني ومصانع السكر التي تعطلت او انخفض انتاجها لإهمال الصيانات الدورية حتي تتدهور الأصول وتصبح تكلفة إصلاحها مرتفعة
6- ضعف العائد المالي من أصول الدولة من حيث القيمة الايجارية والتي قد تستمر لسنوات باجور قديمة ولا تخضع لمراجعة دورية او عدم تحصيلها الإيجارات
7- الخصخصة والبيع الغير مدروس والمتمثل في بيع أصول دون تقييم مستقل او تحليل العائد طويل الاجل مثال لذلك بيع شركة موبيتل للاتصالات في ٢٠٠٦ للشركة الكويتية زين للاتصالات والاثر السالب علي مجمل الاقتصادي السوداني لانتقال ملكية استراتيجية الي مستثمر اجنبي وتأثيرها السالب علي قيمة العملة المحلية والتضخم لخروج العملة الصعبة في شكل أرباح
8- تظل الأصول المتداولة كالعربات والاثاث وغيرها من الأصول التشغيلية كالأدوات المكتبية
عرضة للاستغلال في غير غرضها او يطالها الاهمال وسوء الاستخدام كما يهمل تسجيلها كعهد وينصب جل الاهتمام بها في إجراءات وتصديق شراءها وهي مصدر استنزافي كبير للإيرادات العامة من حيث الصيانة والتشغيل كالعربات والتجديد للأثاث والتي تخضع في كثيرا من الأحيان لأمزجة المدير في شراء المزيد منها او استبدالها واذكر هنا استدلالا علي اهمال هذه الأصول المتداولة من حيث عملية شراءها و حصرها وتقييم استغلالها بانني لم اجد إدارة للمشتريات والتعاقد و إدارة للأصول والمخازن في وزارة المالية لولاية البحر الأحمر حين تقلدت قيادتها وقمت بأنشاء هاتين الادارتين مع تحديد مهام كل واحدة منها وترشيح من يديرهما وتخصيص مكاتب علما بان هنالك قانون ملزم لعمليات الشراء والتعاقد ياطر عميات الشراء والتعاقد . تخيل معي حجم الفوضى الشرائية وتسرب الأصول العامة من غير تسجيل ولا رقيب في ظل غياب هاتين الادارتين .
9- المناطق الزراعية والمعادن والثروات في باطن الأرض كأصول يجب استغلاها وادارتها لتعزيز التنمية ورفاهية المجتمع تفتقد للخطط الواقعية والرؤية الشاملة المدروسة والاستراتيجية التنفيذية للاستفادة منها وتظل مجمدة الا قليلا رغم كبر هذه الأصول وتنوعها واذا اخذنا مثالا لذلك نجد ان التعدين الأهلي الذي يمثل ٨٠٪ من التعدين اسهم في خلق نشاط اقتصادي ووفر ملايين الفرص للعمالة ويساهم بصور كبيرة في الاقتصاد السوداني في ظل ظروف الحرب وانعكاسها علي مجمل الوضع الاقتصادي للبلاد الا ان مقدرة الدولة ظلت محدودة في استدامة الاستفادة المثلي من هذا القطاع من حيث التنظيم الجيد وتقليل الاثار البيئية المدمرة والانتقال للأساليب الحديثة والتوسع المطلوب.
10- المنازل الحكومية قد تمنح لغير مستحقيها او تاجر من الباطن كما تهمل صيانتها وتستغل في غير هدفها و منها ما يستغل من الساكن في اعمال تجارية لمواقعها الاستراتيجية وقد تجري عليها تعديلات واضافات من المباني لتناسب الأغراض التجارية.
إدارة فاعلة للأصول في السودان
اولا الاخذ في الاعتبار تشتت السيطرة على الأصول العامة وتعطل المؤسسات وصعوبة التحقق من الملكية والسجلات في بعض المناطق بسبب تبعيات الحرب ومع انتصارات الجيش الكبيرة يجب ان توضع خطة عاجلة لمواكبة هذه الانتصارات والحفاظ علي الأصول العامة في المناطق التي تحررت.
لضمان إدارة فاعلة يجب ان تخضع الأصول العامة في السودان للمراحل الخمسة الاتية:-
المرحلة الأولى: الحصر والحماية
تبدا الإدارة السليمة بأنشاء سجل وطني شامل موحد يوضح لكل اصل :-
الموقع والمساحة والملكية القانونية.
القيمة التقديرية والحالة الفنية.
الجهة المسؤولة عن إدارته.
كيفية استخدامه وعوائده وتكاليف صيانته.
القيود القانونية والمخاطر المتعلقة به.
ثم تحديد العقارات المستخدمة فعلياً والشاغرة والمؤجرة والمتعدي عليها وبعد ذلك يمكن اتخاذ قرار مناسب بشأن كل فئة وحماية السجلات والوثائق، وحصر الأراضي والعقارات والمباني والشركات والأصول الاستراتيجية، والتحقق من الملكية والتعديات، مع توثيق الأصول المتضررة أو المفقودة.
المرحلة الثانية: تقييم الوضع المالي والفني وتصنيف الأصول بحسب الغرض
لا ينبغي التعامل مع جميع الأصول بالطريقة نفسها ويمكن تقسيمها الي اربع فئات
أصول الخدمة العامة مثل المستشفيات والمدارس ويقوم تقيمها علي معيار جودة الخدمة وتغطيتها
الأصول التجارية مثل الشركات والموانئ تقاس وتقيم بكفاءة التشغيل والعائد والمساهمة الاقتصادية
الأصول البيعية مثل الأراضي الزراعية والمعادن تتطلب حماية مستدامة
الأصول الغير المستغلة او زائدة عن الحاجة تدرس إمكانية استخدامها او تأجيرها او بيعها
ثم تقييم كاصول عاملة ومتضررة ومعطلة ومتعدى عليها، وتقدير تكاليف استعادتها وتشغيلها وقيمتها وتحديد الأصول التي تحقق إيرادات أو تقدم خدمات أساسية.
المرحلة الثالثة: تحديد المسؤوليات
إنشاء قاعدة بيانات مركزية للأصول العامة، مع تحديد الجهة المالكة والجهة المشغلة والجهة الرقابية ومنع التصرف في الأصول خارج الصلاحيات القانونية.
المرحلة الرابعة استعادة العائد
تحصيل الإيجارات والمستحقات وإعادة تشغيل الأصول ذات الأولوية وإصلاح الأصول الحيوية وإبرام عقود شفافة عند الاستعانة بالقطاع الخاص مع اعتماد اهداف قابلة للقياس للأصل كالإيجار مقارنة بالقيمة السوقية و تكاليف الصيانة . كما يجب أن تتضمن الموازنة مخصصات للصيانة الوقائية بدلاً من انتظار تعطل المنشآت ثم إنفاق مبالغ أكبر لإصلاحها.
المرحلة الخامسة: الرقابة والمساءلة
نشر تقارير دورية عن الأصول والإيرادات والعقود وإخضاع التصرفات المهمة للمراجعة المستقلة والتحقيق في حالات التعدي أو البيع أو التخصيص الغير القانوني.
محمد طه عثمان (السوداني)
خبير اقتصادي واداري وباحث
الإسكندرية : السابع والعشرون من اكتوبر 2026
تفاعلكم يغذي مداد يراعنا