إجتماعيات

بروف قرشي .. ينعي مستر الطيب

الفقد الجلل أمة في رجل، كل زواياه قائمة
كل من عبّر واستعبر عن الفقد الجلل ب. الطيب عبد الرحمن ينظر من زاويته، وكل زواياه قائمة. كتبت في مذكراتي “على أكتافهم” التي صدرت قبل عشر سنوات عن الفقيد ” … وتمكّن قسم الجراحة في فترة لاحقة من استدراج د. الطيب عبد الرحمن من مستشفى سنجة، وجاء يحمل رأس عبقري في الجراحة سرعان ما استوعب التعليم الطبي، ويحمل قلباً حبب إليه الناس وحببه فيهم، ويديْن من كرام أهل «أم دوم». كان من حظ الكاتب أن عمل معه د. الطيب مرة أخرى في جامعة الزعيم الأزهري، وهنالك أنسكبت منه صفات أخرى ممزوجة بحكمة العمر، وعمار البصيرة”.
في أوائل الثمانينات عملت مع ب. صلاح طه رحمه الله، رئيس قسم الجراحة، وفي لقاء خاص جمعنا بعميد الكلية ب. بشير حمد أطال الله عمره، تطلعوا أن تستقطب الجامعة مستر الطيب عبد الرحمن من مستشفى سنجة لجامعة الجزيرة، وتطوعت بأن أذهب لدعوته في اليوم التالي. كان مستشفى سنجة الأجمل، معماراً ونظافة وتشجيرا، من كل المستشفيات جنوب سوبا الجامعي وحتى نيروبي في كينيا، وليس له شبيه لا في يوغندا ولا اثيوبيا ولا اريتريا ولا الصومال ولا تنزانيا. ما أصبح كذلك لولا عون الله ليديه المباركتين، ودعم أهالي سنجة البررة. وهؤلاء أسرتهم أخلاقيات ومهارات الطيب. استجاب للدعوة بعد تمهل لأنه وفيُّ لم يهن عليه مفارقة أهالي سنجة. ثم انضم لمجوعته من الجراحين عثمان طه، وعثمان حمور والباقر الفكي، وعثمان محمد الحسن وعثمان بكري، وأشهد ويشهد هؤلاء-وكلهم أحياء بحمد الله، أن الطيب شخصية تامة في العلم والأدب والتعامل وحب الخيروالتفاني في خدمة مرضاه ورعاية طلابه، وصفة أخرى قد تغيب عن رفقائه، وهي إحسانه في العاملين معه ومنسوبي مستشفى واد مدني عامة. وفي سنوات معدودة اشتهر أداؤه في الجراحة العامة ولاحقا في زراعة الكلى جراحة المناظير والتعليم الطبي. والطيب لا يتعلم الشئ إلا ليكون فيه خبيراً وقيادياً. وكان يدير ظهره بأدب، ويكتفي بحدوده، عن ما لا يرضاه.
وبعد سنين استأذنته ليعمل عميداً لكلية الطب بجامعة الزعيم الأهري-عندما كنت مديراً لها. ويلخص هذه الفترة ما كتبته عنة في “على أكتافهم: ” بعد أن قبل د. الطيب عبد الرحمن رئاسة قسم الجراحة واستعداده لعمادة الكلية، بعد أن انتقل من جامعة الجزيرة؛ وبهذا الفتح أصبحت مهمة متابعة تعديل المنهج سهلة مطروقة. يشهد الناس أن د. الطيب من أذكى أذكياء دفعته، بل جيله، وأكثرهم نضجاً اجتماعياً، ووفاءً واتقاناً لمهنة الجراحة، وأقدرهم على قيادة الفريق الصحي الأكاديمي، وأشجعهم على الثبات على ما توصل إليه من خيارات مهنية، وأجرأ من يُحاسِب”. وبهذه الشخصية القوية تمكنت الجامعة بمساعدته من إرساء قواعد أكاديمية وسلوكية ذات مقتضيات وأهداف. وكتبت عنها في المصدر أعلاه: ” المحاولة الكبيرة لتحدي موجهات الاستقرار، في عامها الأول، كانت من طلاب الدفعة الأولى بكلية الطب، وقبل شهر من موعد الامتحانات النهائية، قررالطلاب رفض دخول الامتحانات؛ بحجة أن المنهج لم يكتمل بعد. وحسب رواية العميد (د. الطيب عبد الرحمن) فإن المحاضرات والدروس العملية بالمستشفيات تمت بطريقة حسنة، ولا ضرورة للالتفات لمغالطاتهم. طبعاً لم يكن في الحسبان ـ وفقاً للموجهات ـ أن تؤجل الامتحانات، المعلنة كما جاء في قرارات مجلس الأساتذة، رغم الحملة الصحفية التي وظفوها بمهارة، والوساطات من وجهاء المجتمع وأصدقاء المدير والعميد، وأساطين التعليم الطبي. ولم ترهق الإدارة نفسها بإضاعة الوقت في التراجع، وجاء الامتحان في موعده. ودخل طالب واحد الامتحان الأول، ودخل ثلاثة طلاب آخرين معه بقية الامتحانات، واتفق 48 طالباً على الامتناع، وتعامل مجلس الأساتذة وفقاً للنتيجة، فنجح الطالب الأول وعولجت نتيجة الطلاب الثلاثة بملحق، واعتبر أن الغياب كان بغير عذر مقبول، ورسب من غاب. وتنص اللائحة على أن الطالب الذي يرسب في ثلاث مواد في السنة النهائية يعيد العام الدراسي (لإكمال المنهج…)، وصدر قرار من المجلس بذلك. وقامت الدنيا ولم تقعد، وأعاد الطلاب العام كاملاً، ولم يحدث بعدها أن امتنع طالب عن دخول الامتحان”. هذا من جدية الطيب وقوة شخصيته ومهنيته؛ لأن “عادة” الاتفاق على عدم دخول الامتحانات ممارسة نقابية (يقودها المتخلفون أكاديميا) تسببت فيتعطيل الجامعة عن تخريج الدفعة الأولى رغم بقاء الطلاب فيها ثمان سنوات. عمل خلال العمادة مديرأ عاما لمستشفى بحري الحكومي واستشارياً ممارساً لزراعة الكلى وجراحة المناظير فيها وفي مستشفى شرق النيل، في زهد وهدوء وصمت وتبتل وإصرار، لم يسعى لدعاية ولا وجاهة، وظل سودانياً صاقاً لمهنته لا يميز الناس بانتماءاتهم الحزبية ويفعل الخير مع من -وما- وجد له سبيلاً.
تبوأ ب. الطيب رئاسة المجلس القومي للتخصصات الطبية بعد ب. عثمان طه، وسار على نهجه في الجودة الأكاديمية والسلوك المهني والاستعفاف والتفاني لتأهيل الآلاف من الاستشاريين في الطب والأسنان والصيدلة. وفي المجلس أعشاش دبابير وبذور خلاف عالجها هو ومن سبقوه من رؤساء المجلس بالصبر الجميل. واستتبع الصبر بتوسيع المواعين التدريبية.
ثم احتجت لبروفيسور الطيب مرة أخرى ليكون مديراً عاماً لمستشفى الراقي الجامعي- مستشفى الجامعة الوطنية. وعلى الرغم من أن إدارة مستشفى في السودان هي أصعب مهمة يتقلدها إنسان بعد القتال وجها لوجه؛ لأنه يقاتل المرض والفقر دفعة واحدة، لكن الإدارة كانت عند الطيب من أطراف أصابعه يستخدم فيها جزءً يسيراً من خبراته المتراكمة. ثم تركها بعد أن طاف عليه وعلينا طائف من الشر والانكسار.
أعزي نفسي وأسرته وأهل ام دوم ومن رافقناهم في كلية الطب جامعة الجزيرة خاصة أصدقاءه المقربين عثمان طه، وعثمان حمور، والباقر الفكي، وعثمان محمد الحسن، وعثمان بكري، وعثمان خلف الله، وعمر أحمد ميرغني، وعثمان محمد المصطفى، وعباس الكارب، وإبراهيم سكر، ومعارفه من جامعة الزعيم الأزهري ومجلس التخصصلت الطبية ومستشفى الراقي بالجامعة الوطنية. لا نزكي على الله أحداً بل نشهد بأنه كان في تخصصه داهية وقد ترك لنا الفانية، بعد أن ورّث المهنية الطبية والمهارات الجراحية والتعليم الطبي في عقول وقلوب الآلاف، ونسأل الله له في الباقية الجنات العلى وصحبة الصديقين والصالحين، وأن يبارك في ذريته وأهل بيته وأسرته الممتدة في أم دوم وشرق النيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قرشي محمد علي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى