
حدود المنطق الليري.. مفاتيح «ذهبية» لأبواب المستقبل.. إسماعيل جبريل تيسو
حدود المنطق
الليري.. مفاتيح «ذهبية» لأبواب المستقبل..
إسماعيل جبريل تيسو
تابعتُ باهتمام بالغ تجربة أبناء محافظة الليري بالقطاع الشرقي لولاية جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة وهم يمضون بخطى واثقة على طريق التخطيط لوضع منطقتهم في مسار التنمية عبر مبادرة مجتمعية ترتكز على أكثر من ٥٠ مشروعاً تنموياً تحتاجه المنطقة، ويقيني أن أهمية المبادرة لا تكمن في هذه المشروعات المقسمة على ثلاث مراحل خلال ثلاثة أعوام فحسب، وإنما في الفكرة التي تقف وراءها، بتحويل الموارد المعدنية إلى مشروعات تنموية تمس حياة المواطنين، وتضع الخدمات الأساسية في صدارة الأولويات، فالمبادرة تقدم نموذجاً للتفكير الإيجابي، وتؤكد أن المجتمعات المحلية قادرة على صناعة مستقبلها متى امتلكت الرؤية والإرادة وحسن التخطيط.
وتكتسب التجربة أهميتها من موقع الليري التي تمثل رأس المثلث الذهبي للتعدين، الذي يضم إلى جانبها تلودي وكلوقي، بما تزخر به هذه المناطق الثلاث من موارد معدنية واعدة، غير أن وجود الذهب وحده لا يصنع تنمية، ما لم تتحول عائداته إلى مياه شرب، ومرافق صحية، ومدارس، وطرق تربط القرى ببعضها، ومشروعات للطاقة الشمسية والتأهيل المهني، ومن هنا تبدو خطوة أبناء الليري محاولة عملية لكسر الحلقة التي ظلت تفصل بين وفرة الموارد وشح الخدمات، عبر ترتيب الاحتياجات وفقاً لأولويات المجتمع وقدرته على المتابعة والتنفيذ.
وتكشف المبادرة عن وعي متقدم في التعامل مع شركات التعدين، يقوم على الاستفادة من النشاط التعديني في دعم التنمية المحلية، عبر الحقوق المقررة للمجتمعات المستضيفة ومساهمات المسؤولية المجتمعية، وفق الأطر القانونية والضوابط المنظمة، فالعلاقة المنشودة ليست صراعاً بين المجتمع والشركات، بل شراكة واضحة المصالح، تستفيد فيها الشركات من بيئة مستقرة لممارسة نشاطها بشكل آمن ونظيف، وفي المقابل، يحصل المواطنون على نصيب عادل من ثمار الموارد الموجودة في أرضهم، ويتطلب نجاح هذا النهج شفافية في إدارة الأموال، وإعلاناً للمشروعات وأوجه الصرف، ورقابة تضمن وصول المنافع إلى مستحقيها.
وتزداد قيمة هذه الخطوة حين نستحضر ما عانته الليري ومناطق واسعة من ولاية جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة من سنوات الحرب وتداعياتها السلبية على الخدمات والتنمية والاستقرار، فإعادة البناء في مثل هذه الظروف لا تبدأ بالانتظار، وإنما بتحديد الأولويات وتوحيد الجهود والبحث عن حلول واقعية، ولا شك أن مبادرةً بهذا الوعي والفهم المتقدم، يقف رجال يمتلكون الكفاءة، ويتحلون بالانتماء والإخلاص، اختاروا إعمال «التفكير خارج الصندوق»، فقرروا الانتقال من خانة الشكوى جراء التهميش ونقص الخدمات، إلى إعداد خطة تتضمن مشروعات محددة ومطلوبة، في مراحل زمنية قابلة للمتابعة، اختاروا لها خبراء أعدوا لهم حزم مشروعات مستوفية البحوث والدراسات، بما يمهد للانتقال من التخطيط إلى التنفيذ.
ولعل اللافت في الأمر، أن صدى المؤتمر الذي عقده أبناء محافظة الليري موخراً بالخرطوم، لم يقف صداه، عند حدود المحلية فحسب، إذ بدأت مناطق تعدين أخرى في تنظيم جهودها وتحديد احتياجاتها، مستفيدة من التجربة في ترتيب الأولويات وبناء رؤية تنموية، وإذا تطور هذا الحراك إلى مبادرات عملية، فقد يسهم في تعزيز الثقة بين المجتمعات وشركات التعدين، وتهيئة بيئة أكثر استقراراً للإنتاج والاستثمار، بما ينعكس إيجاباً على إنتاج الذهب وتعظيم عائدات الدولة، لكن ذلك يظل رهيناً بالالتزام بالقانون، وحماية البيئة، وضمان حقوق المجتمعات، وعدم الاكتفاء بإعلان الخطط دون تنفيذها وقياس أثرها على حياة الناس، وهنا تأتي مسؤولية الحكومة الاتحادية، وحكومة ولاية جنوب كردفان، في إيلاء تجربة الليري ما تستحقه من اهتمام، وتقديم الدعم الفني والمؤسسي اللازم، ودراسة إمكانية الاستفادة منها في بقية الولايات ومناطق التعدين، مع مراعاة خصوصية كل منطقة واحتياجاتها، فالمطلوب ليس استنساخ تجربة بحذافيرها، وإنما تعميم فكرتها الجوهرية، بأن تكون المجتمعات شريكاً في التخطيط، وأن تتحول الموارد إلى خدمات وفرص تنموية ملموسة، فالذهب قد يمنح الأرض ثراءها، لكن العقول الواعية والإرادة الجماعية وحسن الإدارة هي التي تمنح أهلها حقهم في التنمية والازدهار، وتخطط لمستقبلٍ ينعم بالأمن والاستقرار.