
حين كان اتحاد الطلاب مدرسةً للقيادة والعطاء ذكريات من تجربة الطلاب السودانيين في الجامعات المصرية بقلم دكتور ياسر أحمد إبراهيم
حين كان اتحاد الطلاب مدرسةً للقيادة والعطاء
ذكريات من تجربة الطلاب السودانيين في الجامعات المصرية
بقلم دكتور ياسر أحمد إبراهيم
قال الله تعالى:
*﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.*
كانت ثُلّة من الطلاب السودانيين في الإسكندرية، وهم في ريعان الشباب، قد تربّوا في حلقات القرآن الكريم، واستلهموا منها معاني الإخاء والتكافل والإخلاص في العمل. فاجتمعوا على حبل الله، وتدافعوا لخدمة زملائهم وزميلاتهم، مؤمنين بأن العمل الطلابي ليس مجرد مقاعد في اتحاد، أو منافسة انتخابية عابرة، وإنما رسالة ومسؤولية وعطاء.
ومن رحم تلك الروح، صُنعت ملاحم انتخابات الاتحادات الطلابية، حين تقدّم الطلاب الأقوياء الأمناء، فخاضوا معارك العمل النقابي بإرادة صلبة، وبذلوا من أموالهم وأوقاتهم وجهودهم ما جعلهم قريبين من زملائهم، حاضرين في أفراحهم وأحزانهم، ومستعدين لتحمّل المسؤولية في كل الظروف.
**لم تكن الانتخابات غايةً في ذاتها، بل كانت بدايةً لمشروع متكامل في خدمة الطالب.**
فجاءت مشروعات استقبال الطلاب الجدد، والمساهمة في توفير السكن للطالبات بالداخليات، وتسهيل حصول الطلاب على السكن المناسب، إلى جانب برامج المراجعة وتقوية المحاضرات للطلاب الذين تعثّروا في دراستهم، إيماناً بأن نجاح الطالب مسؤولية جماعية، وأن الاتحاد الحقيقي هو الذي يمدّ يده لمن يحتاج إلى المساندة.
وكان مشروع التسفير الجماعي من أبرز صور التكافل الطلابي؛ إذ أتاح للطلاب فرصة السفر إلى السودان والعودة منه سنوياً عبر القطارات المصرية والسودانية مجاناً، فخفّف عنهم أعباء السفر، وجمعهم على درب واحد، ورسّخ في نفوسهم معنى الأسرة الطلابية الواحدة.
ولم تقف تلك الرسالة عند حدود الدراسة والسفر، بل امتدت إلى المساعدات الاجتماعية، ودعم المرضى والحالات الخاصة، والوقوف إلى جانب الطلاب في أوقات الشدة. ومن أبلغ صور الوفاء أن الطالب الذي يفقد أحد والديه كان يجد من إخوانه من يسانده، حتى تُوفَّر له تذكرة سفر إلى السودان ليكون بين أهله في لحظات الفقد والمواساة.
وهكذا تحوّل الاتحاد إلى بيتٍ للطالب، وملاذٍ يجد فيه الدعم والسند، لا مجرد مؤسسة تُدار بلوائح وإجراءات.
أما النشاط الرياضي، فقد كان ميداناً للتنافس الشريف بين الكليات، وتعزيز روح الفريق والانتماء. وشكّلت البرامج الثقافية مساحةً رحبةً للإبداع والحوار، من خلال المعارض والندوات، واستضافة الفنانين والأدباء من السودان إلى مصر للمشاركة في الأسبوع الثقافي السنوي الذي امتدت فعالياته إلى مختلف أنحاء الجمهورية.
وفي الوقت نفسه، كانت أبواب الاتحادات مفتوحة أمام مختلف التيارات السياسية والفكرية، لإقامة الندوات والحوارات في دور الاتحادات المنتشرة في مصر، إلى جانب إصدار الصحف الحائطية التي عبّرت عن أفكار الطلاب وقضاياهم وتطلعاتهم.
لقد كانت تلك تجربةً ثريةً في قبول الاختلاف، وإدارة الحوار، وإتاحة الفرصة للجميع، ضمن إطار العمل الطلابي المسؤول. فلم يكن الاتحاد ملكاً لتيار بعينه، بل ساحةً يلتقي فيها الطلاب على اختلاف توجهاتهم، وتجمعهم المصلحة المشتركة وقضاياهم الوطنية.
وكان حفل التخريج السنوي تتويجاً لتلك الرحلة؛ إذ يجتمع الطلاب للاحتفاء بإنجازهم، بحضور ممثلي الجامعات المصرية والسفارة السودانية، في مشهدٍ يجسّد قيمة العلم، وفرحة النجاح، وعمق الروابط التي جمعت الطلاب السودانيين بمحيطهم الأكاديمي والاجتماعي في مصر.
**إن تجربة اتحادات الطلاب السودانيين في مصر لم تكن مجرد فصلٍ من ذكريات الدراسة، بل كانت مدرسةً متفردةً في العمل النقابي، وميداناً لصناعة القيادات، وتربية النفوس على المسؤولية والتضحية وخدمة الآخرين.**
ومن تلك المدرسة تخرّجت أجيال من القيادات التي أسهمت، كلٌّ في موقعه، في الحياة السياسية والنقابية والاجتماعية في السودان، وظلّت التجربة شاهدةً على أن القيادة الحقيقية لا تُصنع بالشعارات، وإنما بالمواقف، ولا تُقاس بالمناصب، وإنما بما تقدّمه للناس من خير.
واليوم، ونحن نستعيد تلك الذكريات، فإننا لا نستحضر الماضي من باب الحنين وحده، بل نستعيد تجربةً تستحق التوثيق والتأمل، لما تحمله من دروس في التضامن الطلابي، والعمل المؤسسي، واحترام التعدد، وربط المعرفة بالمسؤولية الوطنية.
لقد كبر أولئك الطلاب، وتفرّقت بهم دروب الحياة، وتولّى كثير منهم مواقع مختلفة، لكن تبقى بينهم رابطةٌ صنعتها أيام الدراسة، ورسّختها المواقف، وحفظتها ذاكرة العطاء.
**فالتحية لكل من جعل من سنوات دراسته رسالةً، ومن الاتحاد بيتاً، ومن خدمة زملائه واجباً، ومن العمل العام طريقاً للعطاء.**
وتبقى الذكريات حيّةً، ما بقي الوفاء، وما بقي بيننا من يؤمن بأن خدمة الإنسان هي أعظم ما يتركه المرء من أثر.