التقارير

خبر وتحليل | عمّار العركي  زيــارة البـرهـان جــدة:  أبعـاد ودلالات ودواعـي

خبر وتحليل | عمّار العركي

زيــارة البـرهـان جــدة:

أبعـاد ودلالات ودواعـي

▪️زيارة رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى مدينة جدة السعودية ليست زيارة عادية تُقرأ في سياق العلاقات الثنائية التقليدية بين البلدين. كما أن الاستقبال لم يكن في العاصمة “الرياض”، بل في “جدة”، المدينة التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى منصة لإدارة الملفات الحساسة وإجراء الاتصالات الهادئة، ومركز للتحركات السياسية ذات الطابع الخاص، وهي ذات المدينة التي احتضنت مسار التفاوض وأفرزت اتفاقاً بعد الشهر الأول من اندلاع الحرب.

▪️وبالتالي، فإن اختيار جدة ليس مؤشر على طبيعة الملفات المطروحة، التي تتطلب مساحة أكبر من المرونة والخصوصية في النقاش، كما يعكس توجهاً نحو تثبيت الدور السعودي.

▪️وعند إضافة ذلك إلى طبيعة الزيارة غير المعلنة، وتوقيتها الحساس، وتركيبة الوفد المرافق، وصياغة البيان الختامي، تصبح الصورة أقرب إلى إعادة تموضع استراتيجي، وتحرك سوداني لإعادة ضبط بوصلته الإقليمية في ظل تداخل الأزمات وتشابك المصالح.

▪️جاءت الزيارة في توقيت تتقاطع فيه عدة مسارات ضاغطة. فالتوترات الإقليمية المرتبطة بإيران فرضت نفسها كمهدد أمني يؤثر في توازنات المنطقة. كما يشهد ملف “البحر الأحمر” حالة سيولة غير مسبوقة، مع تعدد الفاعلين وتضارب الأجندات، وسط محاولات لإعادة تشكيل ترتيباته الأمنية بعيداً عن الدول المطلة عليه.

▪️كذلك، فإن حالة الجمود التي أصابت “مسار جدة”، بالتوازي مع تحركات دولية في “برلين وباريس ولندن”، تسعى لإدارة الأزمة السودانية خارج الإطار السعودي. وهنا تبرز دلالة الزيارة بعودة الخرطوم إلى نقطة الارتكاز، وإعادة تثبيت موقع جدة كمنصة مركزية للتعامل مع الأزمة.

▪️البيان الصادر عن الزيارة حمل عدة رسائل مباشرة. إذ أكد أن “أمن المملكة جزء لا يتجزأ من أمن السودان”، بما يمثل إعلاناً صريحاً لربط الأمن الوطني السوداني بمنظومة أمن إقليمي تقودها السعودية. كما أن الإشارة المباشرة إلى “الاعتداءات الإيرانية” تُشير إلى اصطفاف سياسي وأمني يوضح موقع السودان من المعادلة الإقليمية.

▪️لكن الأهم من ظاهر النص هو ما وراءه ، فالزيارة غير المعلنة تعني أن هناك ملفات حساسة طُرحت للنقاش بعيداً عن الإعلام، وهي في الغالب ذات طابع أمني واستخباري. ويعزز هذا الاستنتاج وجود مدير جهاز المخابرات العامة ضمن الوفد، إلى جانب وزير الخارجية، ما يشير إلى أن اللقاء لم يكن سياسياً فحسب، بل جاء في إطار تنسيق متعدد المستويات يجمع بين القرار السياسي والتقدير الأمني.

▪️وفي هذا السياق، يبرز ملف البحر الأحمر باعتباره المحور الحقيقي للزيارة. فالسودان، بحكم موقعه الجغرافي، لم يعد مجرد طرف متأثر بما يجري في هذا الممر الحيوي، بل يسعى لأن يكون فاعلاً في تشكيل معادلاته. ومن هنا يمكن فهم استعداد الخرطوم لتقديم “كافة أوجه الدعم” للسعودية، كمدخل للانخراط في ترتيبات أمنية إقليمية أوسع.

▪️أما على مستوى الرسائل غير المباشرة، فإن الزيارة تحمل إشارات واضحة لعدة أطراف. فهي من جهة تعيد التوازن في علاقات السودان الإقليمية، وتبعث برسالة مفادها أن الخرطوم لا تتحرك ضمن محور أحادي. ومن جهة أخرى، تؤكد أن أي ترتيبات تخص البحر الأحمر أو مستقبل السودان لا يمكن أن تتم بمعزل عن الدور السعودي. كما تمثل في الوقت ذاته إشارة للقوى الدولية بأن تجاوز مسار جدة لن يؤدي إلى نتائج مستقرة.

▪️رغم غياب الإعلان عن مخرجات تفصيلية، إلا أن ما يمكن استنتاجه يشير إلى تفاهمات تتجاوز الشكل إلى المضمون. أولها إعادة تثبيت المسار السعودي كمرجعية أساسية في التعامل مع الأزمة السودانية. وثانيها الدفع نحو تنسيق أمني أعمق في ملف البحر الأحمر، قد يشمل جوانب تتعلق بالمراقبة البحرية أو حماية الممرات الاستراتيجية. وثالثها فتح قنوات اتصال عالية المستوى، بحسب عبارة “التشاور والتنسيق المكثف”، وهي عبارة تشير إلى انتقال العلاقة من مستوى اللقاءات إلى مستوى الآليات .

* خلاصــة القـول ومنتهـاه :

▪️زيارة البرهان إلى جدة يمكن إعتبارها خطوة أولى في مسار جديد يعيد تعريف موقع السودان داخل معادلة إقليمية معقدة. في ذات الأثناء تبعث برسالة إلى الداخل بأن الخرطوم تمضي نحو إعادة بناء علاقاتها على أسس أكثر وضوحاً، ورسالة إلى الخارج بأن السودان طرف فاعل يسعى لفرض حضوره في معادلات الإقليم.

وفي ما بين السطور، يمكن قراءة العبـارة الأهـم : السودان يعود إلى جدة… ليس زائراً، بل شريكاً في إعادة صياغة التوازنات.

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى