
ذهبتُ إلى آخر النفق فوجدته مظلماً: من أزمة الوعي إلى دولة القانون د. الهادي عبدالله أبوضفائر
ذهبتُ إلى آخر النفق فوجدته مظلماً: من أزمة الوعي إلى دولة القانون
د. الهادي عبدالله أبوضفائر
وصلتُ إلى نهاية النفق فوجدته مظلماً. تساءلت : هل نستسلم أم نتحرر من طرق التفكير المألوفة ونبحث عن مخرج خارج المسارات التي ألفناها؟ هل الخلل في الطريق أم في البوصلة التي قادتنا إليه؟ أدركت أن الأزمات لا يصنعها تعقيد الواقع وحده، وإنما تُعيد إنتاجها عقول تأبى مراجعة مسلّماتها والاعتراف بأخطائها.
علينا أن نتجاوز مسكّنات الوعي وخطابات تبادل الاتهامات وأن نمتلك شجاعة مواجهة الحقيقة. فالمحنة لا تصنع الحكمة بالضرورة قد تهذّب الإنسان وقد تعيد إنتاج أخطائه. والعبرة ليست بما عانيناه وإنما بما حوّلناه من ألم إلى معرفة ومن معرفة إلى مؤسسات تمنع تكرار المأساة. فالمعاناة التي لا تغيّر وعينا تظل ألم يتكرر.
هذه اللحظة تضعنا أمام سؤال عميق كيف تحوّلت الجهة والقبيلة والحزب والمذهب والمعتقد من روافد للتنوع الإنساني إلى معايير لقياس قيمة الإنسان وتحديد مكانته في الوطن؟ وكيف انقلب الاختلاف من مصدر للثراء والتكامل إلى ذريعة للإقصاء، وكأن الانتماء إلى الوطن امتياز تمنحه الهوية لا حق تكفله المواطنة؟.
ليس المطلوب أن نتخلى عن الهويه أو الانتماء وإنما ندرك أن الانتماء لا يمنح صاحبه سلطة فوق القانون ولا يبرر الانتقاص من حقوق الآخرين. فالدولة العادلة لا تصنع مواطنين متشابهين وإنما تضمن لمختلفين حقوق متساوية وتحول دون أن يصبح الاختلاف ذريعة للتمييز أو طريقاً إلى الظلم.
هذه هي دولة القانون التي ننشدها. دولة لا تتعدد فيها معايير العدالة بتعدد مواقع القوة والنفوذ ولا تتحول فيها التشريعات إلى أدوات لخدمة حزب أو جماعة. دولة تستمد شرعيتها من مؤسسات دستورية وتشريعية مستقلة وتصون الحقوق والحريات وتحمي استقلال القضاء وتُخضع الجميع للمساءلة دون استثناء أو انتقائية.
لا تُقاس عدالة الدولة بما تنص عليه دساتيرها وإنما بما تلتزم به سلطاتها ومؤسساتها في الواقع. فالمسافة بين النص والممارسة هي التي تكشف حقيقة احترام القانون. يبدأ التغيير حين نرفض الظلم ولو أصاب من نكره، ونصون حقوق من نختلف معهم ونعترف بأخطائنا دون أن نعدّ ذلك انتقاصاً من كرامتنا.
تكشف الحروب أن انهيار الأوطان لا يُقاس بحجم ما تهدّم من عمرانها وحده وإنما بما تصدّع في نسيجها الاجتماعي وما تآكل من الثقة بين أبنائها. لذلك، فإن إعادة بناء البيوت والطرق والمرافق على أهميتها تظل ناقصة ما لم تقترن باستعادة الثقة وترسيخ المواطنة المتساوية.
ليست المأساة فيما يخلّفه الماضي من جراح فحسب وإنما في أن يظلّ حاضر يعيد إنتاج نفسه في وعينا وخياراتنا. فالتاريخ الذي لا يتحول إلى بصيرة يصبح قدر متكرر، والذاكرة التي لا توقظ المسؤولية تفقد معناها. لذلك فإن التحدي الحقيقي ليس تجاوز ما حدث بل ألّا نظل أسرى منطقه وأن نمتلك شجاعة تأسيس مستقبل لا تحكمه أخطاء الماضي.
الخروج من ظلمة النفق لا يكون انتظار لضوء يأتي من خارجه، وإنما اكتشاف الطريق إلى المستقبل يبدأ من قدرتنا على تشكيل دولة مختلفة. دولة لا تسبق فيها الأنسابُ الحقوقَ ولا تتحول الهوية إلى حصانة من المساءلة ولا يصبح الاختلاف السياسي خروجاً من دائرة الانتماء إلى الوطن.
الحروب قد تنتهي في الواقع بينما تظل أسبابها حيّة في العقول، كامنة في أنماط التفكير وموازين المصالح وعلاقات القوة. تجاوز الوطن لمحنته لا يُقاس بوقف القتال وحده، وإنما بقدرته على بناء عدالة تقيّد السلطة، ومؤسسات تحمي الحقوق، وثقافة سياسية تمتلك شجاعة مراجعة الذات.
المستقبل الذي يستحقه الوطن لا يبدأ من حيث صمتت البنادق، وإنما من حيث يفقد منطق الحرب قدرته على حكم الحياة. فليس الخروج من الحرب أن ننجو من رصاصها فحسب، بل أن نتحرر من الأفكار التي جعلت إطلاقه ممكنًا؛ وأن نبلغ من النضج ما يجعل السلام أعمق من هدنة، والوطن أوسع من أن يملكه بعض أبنائه دون سواهم.
ظلمة النفق الذي وجدته لم ينجم عن غياب الضوء، بقدر ما كانت انعكاس لوعي ظل يعيد إنتاج المنطق ذاته، منتظر أن تقوده نفس الأسباب إلى نهاية مختلفة. الخلاص لا يتحقق بتجاوز آثار الأزمة وحدها وإنما بمراجعة الأفكار التي جعلتها ممكنة وتأسيس دولة تستمد شرعيتها من عدالة القانون ومساواة المواطنين لا من سطوة الحاكم. عندها ندرك أن الخروج من النفق ليس بلوغ نهايته، وإنما التحرر من المنطق الذي أدخلنا إليه.
abudafair@hotmail.com