الأعمدة

رحيل البروفيسور التجاني عبد القادر : مفكر عاش زاهدا في زحام الأضواء والمناصب مجفلا من اغراءاتها ..  ✍️ السفير/ رشاد فراج الطيب

رحيل البروفيسور التجاني عبد القادر : مفكر عاش زاهدا في زحام الأضواء والمناصب مجفلا من اغراءاتها ..

✍️ السفير/ رشاد فراج الطيب

ليس كل رحيلٍ موتاً لرجل ، فبعض الرجال حين يرحلون يتركون فراغاً يتجاوز مساحة حضورهم الشخصي ، لأنهم كانوا جزءاً من الذاكرة الفكرية والضمير الثقافي لأمة بأسرها .

ومن هؤلاء يأتي رحيل المفكر السوداني الكبير البروفيسور التجاني عبد القادر حامد ، الذي غادر دنيانا إلى رحاب الله ، تاركاً وراءه حزناً عميقاً في السودان ، وفي أوساط أهل الفكر الإسلامي والعربي ، وبين كل من عرف علمه ومواقفه وأدبه وسمته .

كان التجاني عبد القادر واحداً من أولئك الرجال الذين يصعب وضعهم في خانة واحدة ؛ فهو أكاديمي راسخ ، ومفكر إسلامي ، وباحث في الفكر السياسي ، ومشتغل بقضايا الاقتصاد الإسلامي ، ومراقب دقيق للتحولات الاجتماعية والسياسية .

وقد امتد مشروعه العلمي إلى قضايا الفقر والدولة والديمقراطية والفكر السياسي الإسلامي ، والاقتصاد والصيرفة الإسلامية ، فضلاً عن أسئلته العميقة حول المجتمع والدولة والتحولات السياسية في السودان والعالم العربي والإسلامي .

 

وتؤكد جامعة قطر وعارفو فضله اتساع اهتماماته في التراث السياسي الإسلامي ، والفكر السياسي الإسلامي المعاصر ، ومشكلات الدولة الحديثة ، والمنهجية في العلوم الاجتماعية .

وقد ترك أكثر من ستين كتاباً وبحثاً ودراسة ، فضلاً عن عشرات المحاضرات والأوراق العلمية والمداخلات الفكرية .

ومن بين أعماله دراسات في الفكر السياسي في القرآن ، ومشكلة الفقر ، وتجربة حكم الإسلاميين في السودان ، وفلسفة السياسة ، إلى جانب إنتاج واسع في الاقتصاد الإسلامي ، من السلم والتمويل والصكوك والتأمين التعاوني إلى البحث عن البدائل الشرعية للمعاملات المالية التقليدية .

 

لكن قيمة التجاني عبد القادر لم تكن في كثرة ما كتب فحسب ، وإنما في طبيعة العقل الذي كان يكتب به .

كان رجلاً حراً في تفكيره ، مستقلاً في اجتهاده ، لا يستمد قيمة الفكرة من شيوعها ، ولا يزن الحقيقة بموقع أصحابها .

اقترب من الحركة الإسلامية كأحد قياداتها الفكرية ، وعرف تجربتها من الداخل ، لكنه لم يسمح للاطر التنظيمية أن تصادر عقله ، ولا للانتماء أن يحول دون تقديم النقد والرأي المستقل الناصح .

ولذلك ظل قادراً على النظر إلى التجربة الإسلامية السودانية بعين المحب الناقد المسدد ، لا بعين الخصم الشامت ولا التابع المبرر .

وهنا تكمن إحدى أهم خصائص شخصيته الفكرية : أنه لم يكن أسير الأشخاص والزعامات ، ولا التنظيمات ، ولا القوالب الجاهزة .

 

كان يرى أن الإسلام أكبر من أن يُختزل في حزب او تنظيم ، وأن الفكر الإسلامي أوسع من أن يُحبس داخل تجربة سياسية واحدة .

ولذلك انشغل بالأسئلة المؤسسة : ما الدولة ؟ وما السياسة ؟ وما حدود السلطة ؟ وكيف يمكن أن يتحول الوحي إلى رؤية حضارية للإنسان والمجتمع ؟ وكيف يمكن للفكر الإسلامي أن يستجيب للعصر من غير أن يفقد مرجعيته ؟

ومن يقرأ إنتاجه يلحظ أن الرجل كان يتحرك دائماً بين عالمين : عالم النص والتراث ، وعالم الواقع والتاريخ .

لم يكن يريد إسلاماً معزولاً عن أسئلة العصر ، كما لم يكن يريد حداثة مقطوعة الجذور عن المرجعية الإسلامية .

ومن هنا جاءت محاولاته للجمع بين أدوات العلوم الاجتماعية الحديثة ، والعمق المعرفي للتراث الإسلامي ، والرؤية القرآنية للسياسة والمجتمع .

ولعل هذا هو سر أهمية التجاني عبد القادر كمفكر بالنسبة إلى السودان اليوم .

 

فالسودان لا يفقد برحيله أستاذاً جامعياً عاديا ، وإنما يفقد شاهداً فكرياً على عقود طويلة من التحولات السودانية ؛ شاهداً عرف الحركة الإسلامية ، والدولة ، والسياسة ، والصراع على السلطة والموارد ، وقرأ المجتمع السوداني من الداخل ، وظل يكتب حتى سنواته الأخيرة عن أزمات الدولة والثورة والحرب .

وكان يستعد قبيل رحيله لطباعة كتاب جديد حول السياسة السودانية المعاصرة والسقوط والثورة والحرب ، في دلالة بالغة على أن السؤال السوداني ظل حاضراً في عقله حتى آخر أيامه .

 

لقد كان التجاني من جيلٍ كان يرى في الفكر مسؤولية ، وفي الكلمة أمانة ، وفي العلم رسالة . ولذلك لم يكن كثير الظهور الإعلامي ، ولم يكن من الذين يطلبون الأضواء والمناصب ، بل كان يترك كتبه وأبحاثه تتحدث عنه .

وقد شهد من عرفوه بسمو أخلاقه ، وعفته عند الاختلاف ، وهدوء طبعه ، وتواضعه ، وثباته على ما يراه حقاً.

إن فداحة فقد التجاني عبد القادر لا تُقاس بعدد الكتب التي تركها ، وإنما بحجم العقل الذي غاب في زمن نحن أحوج ما نكون فيه إلى العقول الحرة ، وإلى المفكر الذي يستطيع أن يختلف دون أن يخاصم ، وينقد دون أن يهدم ، ويتمسك بمرجعيته دون أن يغلق أبواب الاجتهاد .

 

رحم الله التجاني عبد القادر ؛ رحل الجسد وبقي السؤال ، وغاب الرجل وبقي أثره ، وانطفأ الصوت وبقيت اجتهاداته شاهدة على صاحبها .

إن عزاءنا أن العلم لا يموت بموت صاحبه ، وأن الكلمة الصادقة قد تعيش بعد صاحبها أجيالاً . وسيبقى التجاني عبد القادر حاضراً في ذاكرة السودان ، وفي سجل الفكر الإسلامي المعاصر ، بما ترك من علم وبحث ومساهمات نافعة ومواقف راشدة .

رحم الله فقيد السودان والفكر الإسلامي رحمة واسعة ، وأسكنه فسيح جناته ، وأحسن عزاء أهله وعشيرته وأحبابه وطلابه وعارفي فضله ، والعزاء للأسرة السودانية والإسلامية جمعاء في هذا الفقد الأليم .

ونسأل الله أن يتقبل ما قدم ، وأن يجعل علمه الذي نشره ، والفكرة التي اجتهد فيها ، والكتب التي تركها ، والأجيال التي أفادها ، صدقةً جاريةً في ميزان حسناته ، وأن ينفع الأمة بما ترك من أثر نافع وباقٍ ، وأن يهيئ من يحمل راية العلم والفكر من بعده من تلامذته الاوفياء .

 

إنا لله وإنا إليه راجعون .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى