الأعمدة

شــــــــــــوكة حــــــــــــوت          *كامــل إدريــس*  *سقوط الهيبة عند محطة*             *الوقـــود* ياسرمحمدمحمود البشر 

شــــــــــــوكة حــــــــــــوت

*كامــل إدريــس*

*سقوط الهيبة عند محطة*

*الوقـــود*

ياسرمحمدمحمود البشر

 

*فى مشهد درامى يختصر حالة التخبط السياسى والإدارى التى تعيشها البلاد أطلّ علينا رئيس وزراء حكومة الأمل (بلا ناقة ولا جمل) الدكتور كامل إدريس يرافقه وزير الطاقة ووالى الخرطوم فى زيارة تفقدية لإحدى محطات الوقود بولاية الخرطوم لم تكن المفاجأة فى أصل الزيارة الميدانية بل فى السلوك المستفز الذى رافقها حيث ظهر دولة رئيس الوزراء وهو يهتف بصورة هستيرية شعارات حماسية فى مشهد سريالى أفقد تلك الشعارات رزانتها وأفرغ شعار (جيش واحد شعب واحد) من محتواه الوطنى الجاد ليتحول من رمز للوحدة والتلاحم إلى مجرد أداة للاستهلاك الإعلامى والاستعراض السياسى غير المحسوب إن المشهد الذى تناقلته الوسائط يطرح استفهاماً جوهرياً ومؤلماً هل يعقل أن يخرج رأس السلطة التنفيذية في الدولة وبكامل هيئته المكونة من وزير ووالٍ ليتفقد محطة وقود لا تتجاوز سعتها الاستيعابية عشرة آلاف لتر إن هذا الحضور المكثف أمام منشأة صغيرة لا تغذى سوى حياً سكنياً واحداً لا يعبر عن حرص على قضايا المواطنين بقدر ما يعكس قمة الإفلاس السياسى والعجز التكتيكى فى التعاطى مع القضايا الاستراتيجية الكبرى التى تطحن الشعب السودانى صباح مساء*.

 

*إن ما قام به رئيس الوزراء فى هذه الزيارة يمثل تجاوزاً صريحاً للأعراف الإدارية وهياكل الدولة فهذه المهام التفتيشية الروتينية ومتابعة انسياب المواد البترولية فى المحطات هى فى الأصل من اختصاصات ضابط إدارى مبتدئ فى مدخل الخدمة المدنية أو ضابط برتبة ملازم فى جهاز الأمن الاقتصادى إن نزول رئيس الوزراء إلى هذا المستوى التشغيلى الدقيق ينبىء عن غياب كامل لمفهوم إدارة الدولة ويؤكد حالة التشتت التى تعانى منها مؤسسة الرئاسة فى تحديد أولوياتها الوطنية ومكان رئيس الوزراء الطبيعى وميدان عمله الحقيقى هو غرف التخطيط الاستراتيجى وقاعات مجلس الوزراء حيث يُفترض أن يتحدث عن حلول شاملة وأزمات هيكلية تمس الدولة بأكملها من إصلاح للاقتصاد الكلى وتوفير سلاسل الإمداد للبلاد ككل ووضع خطط التعافى الوطنى أما الاستغراق فى جزئيات صغيرة وتبسيط مشكلات الإمداد فى زيارة محطة وقود فهو تعبير صارخ عن العجز عن مخاطبة الجذور الحقيقية للأزمة، والاستعاضة عنها بالاستعراض السطحى الذى لا يسمن ولا يغنى من جوع*

 

*وفى هذا الموقف الضئيل قدره العظيم في نظر صُنَاعه ينطبق على رئيس الوزراء بامتياز قول الشاعر أبى العلاء المعرى (وتَكبُرُ في عَينِ الصَّغيرِ صِغارُها وتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ) إن الاحتفاء بإنجاز يتلخص فى ضخ بضعة جالونات من الوقود في محطة فرعية والتعامل معه كفتح مبين يستحق الهتاف والاستنفار يوضح الضآلة التى باتت تُدار بها شؤون البلاد وكيف تحولت المهام الروتينية الصغيرة إلى معجزات فى نظر حكومة الأمل ولم تتوقف عجائب هذه الزيارة عند حد الهتاف ومحطة الوقود بل امتدت لتسجل سابقة أكثر دهشة وغرابة في التاريخ الإدارى حين يناشد رئيس الوزراء إدارة بنك الخرطوم بحل المشاكل التقنية لتطبيق بنكك لتسهيل عمليات الدفع الإلكترونى للمواطنين إن هذا المشهد يضعنا أمام تساؤول منطقى إذا كان رئيس الوزراء ذات نفسه يكتفى بمناشدة مؤسسة مصرفية يخضع لها القطاع المالى فمن يملك إذن حق إصدار الأوامر والتوجيهات والقرارات النافذة في هذه الدولة*

 

*إن تحول رئيس الوزراء من موقع السلطة التي تُصدر القرارات الملزمة وتفرض السياسات العامة إلى موقع الوعظ والمناشدة والترجى والرجاء أمام المؤسسات والشركات يمثل تكريساً لغياب هيبة الدولة وشللاً التزامياً فى أدوات الحكم هذا العجز عن ممارسة السلطة التنفيذية الدستورية يجعل الحكومة تبدو فى مظهر العاجز الذى يشتكى مع المواطنين بدلاً من أن تكون الجهة المسؤولة عن فرض الحلول ومحاسبة المقصرين وتنظيم الخدمات بناءً على هذه المشاهد المتكررة من السلوك غير المتزن والأداء الإدارى القاصر يمكن القول بثقة إن جزءاً كبيراً من أزمة السودان الحقيقية والعميقة اليوم يكمن في وجود الدكتور كامل إدريس فى هذا المنصب القيادى الرفيع إن قيادته للجهاز التنفيذى بهذه العقلية السطحية والاستعراضية أصبحت تشكل عبئاً ثقيلاً على الدولة وتساهم بشكل مباشر فى تجريف ما تبقى من مؤسسيتها ورزانتها أمام الشارع العام والمجتمع الدولى*

 

نـــــــــــــص شــــــــــــوكة

 

*بات وجود كامل إدريس على رأس حكومة الأمل خصماً متزايداً من رصيد الحكومة الأخلاقى والسياسى وتعرية مستمرة لمصداقيتها أمام المواطنين الذين ينتظرون قرارات مصيرية ترفع عنهم المعاناة لا مشاهد تمثيلية تزيد من احتقانهم إن استمرار هذا النهج في إدارة الأزمات بالصراخ والزيارات الشكلية يعمق الفجوة بين الشارع والسلطة ويوجه رسالة مفادها أن القيادة التنفيذية تعيش فى وادٍ بعيد تماماً عن تطلعات الشعب وآلامه*.

 

ربـــــــــــــع شــــــــــــوكة

 

*إن أى ردة فعل شعبية قادمة أو حالة غضب جماهيرى ستندلع في الشارع السودانى لن تكون وليدة الفقر أو نقص الخدمات فحسب بل ستكون محركها الأساسى مثل هذا الظهورات المستفزة والمهينة لرئيس الوزراء إن الشعب الذى يستحق قيادة ترتقي لعظم معاناته وتضحياته لن يتسامح طويلاً مع من يحول آلامه اليومية إلى مسرحية هزلية تُمارس عند مضخات الوقود وأبواب البنوك*.

 

yassir.mahmoud71@gmail.com

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى