
ظاهرة الابارتايد السياسي في السودان د. محمد عبد القادر سبيل
ظاهرة الابارتايد السياسي في السودان
د. محمد عبد القادر سبيل
من يمعن التأمل في طبيعة الصراع السياسي المرير بين طيف اليسار السوداني من جهة.. والحركة الاسلامية السودانية من جهة أخرى، يكتشف بيسر أننا بصدد حالة من العزل والتمييز الاجتماعي والسياسي المزمن والمتبادل. حالة ابارتايد لا فيها شق ولا طق. وفوق ذلك متوارثة وضاربة بجذورها في ثقافة البادية.
فلا يكاد المنتمي الى احد القطبين المزمجرين ان يسمع سيرة الآخر أو يشتم رائحة تهب من قبله الا ويستشيط غضباً ويبدأ في إطلاق السباب ونثر التهم لأوهى الأسباب.
كأنها مشاعر النعرات العنصرية البائدة تستيقظ في اللاوعي بحذافيرها. بل يصل الهوس والجنون حد وصم كل من لا يعادي القطب المضاد بأنه جزء منه لا محالة، وأن الأمر مكشوف ومفضوح ومرصود مهما حاول احد التستر أو المراوغة !!.
هكذا !!.
تشعر بأن هؤلاء القوم ولدوا ليعيشوا متوجسين للسياسة مرتهنين لشروطها.
إذاً فهي حالة أسوأ من التفرقة العنصرية حيث تصل مستوى العصاب والهجس والعبث بنسيج المجتمع ووشائجه.
ولكن هل فعلاً يوجد نوع من المتمييز discrimination يمكن ان نسميه التمييز السياسي الايدولوجي؟ وأنه يمكن أن يجابه بمواثيق وقوانين دولية ومحلية تستنكفه وتدينه؟.
سألت الموثوق قوقل فقال:
التمييز في السياسة هو معاملة الأفراد أو الجماعات بشكل متفاوت أو سلبي بناءً على انتماءاتهم أو هوياتهم (مثل العرق، الدين، الجنس، أو الرأي السياسي)، بشكل يحرمهم من التمتع العادل بالحقوق والحريات أو يقلل من فرص مشاركتهم في الحياة العامة.
وينقسم التمييز السياسي إلى عدة أصناف رئيسية:
• التمييز الفردي (الشخصي):
هو السلوك الصادر عن شخص معين (أو موظف عام) يستهدف فرداً بعينه بمعاملة غير متساوية بسبب انتمائه السياسي أو الفكري أو العرقي.
• التمييز القانوني (التشريعي):
هو عدم المساواة المقنن رسمياً بنصوص وكتل تشريعية تمنح فئة معينة امتيازات وتحرم أخرى.
• التمييز المؤسسي (الهيكلي):
هو التمييز المترسخ في الإدارات والمؤسسات والسياسات العامة للدولة بشكل غير مباشر، مما يؤدي إلى تفضيل مجموعة اجتماعية أو سياسية معينة باستمرار على حساب بقية المجموعات.
• التمييز السياسي المباشر:
إقصاء أو حرمان شخص صراحةً من وظيفة عامة، أو الترشح، أو الانتماء الحزبي لمجرد التصريح برأيه أو انتمائه الحزبي المخالف للسلطة الحاكمة.
• التمييز السياسي غير المباشر:
وضع شروط أو معايير عامة تبدو ظاهرياً محايدة، ولكنها تؤدي عملياً إلى إقصاء أو تهميش فئة سياسية أو عرقية أو دينية معينة دون غيرها.
ترى هل يوجد في السودان قانون يردع ظاهرة التمييز السياسي وتمظهراته الاجتماعية؟
على أنني لمست هذه الظاهرة على أشدها ايام نميري بعد انقلاب الشيوعيين عام ١٩٧١م حيث كانت كلمة شيوعي في مخيلة عامة الشعب تقترب من كلمة الشيطان الرجيم. وقد استعاد الاسلاميون المشهد ذاته حينما حكموا منذ ١٩٨٩م فنكلوا بخصومهم اليساريين أيما تنكيل وتم طردهم زرافات ووحدانا من الخدمة للصالح العام، مما اورثهم مرارات هاهم يمارسونها من باب الثأر عبر (قحت) ليس ضد الاسلاميين فحسب بل ضد كل من ليس معادياً يظهر عداءه للإسلاميين..حالة اقرب للمكارثية.
وفي الحقيقة فإننا إذا التفتنا الى الوراء فسنجد أن ظاهرة الابارتايد السياسي هذه قد بدأت منذ ستيتيات القرن المنصرم عبر سوح ومقاهي الجامعات والمدارس الثانوية حينما كان اليساريون يتصفون بالصلف والجبروت ويضطهدون الاحزاب الطائفية وينعتون منسوبيها بالدجل والجهل والرجعية، ثم ذهبوا كل مذهب في اكتوبر ١٩٦٤ حينما حاولوا مصادرة الثورة وصياغة الواقع الذي يليها عبر تشكيل جبهة الهيئات (النقابات) لتصبح الممثل الشرعي والوحيد للثورة امام الجيش لما كان لهم من قدح معلى في الثورة، إلا ان الاحزاب الطائفية ( الأمة والوطني الاتحادي) تداركوا الأمر وقاموا بتشكيل مجلس الاحزاب لمنع التمييز السياسي. وهكذا حتى انتهى الامر بطرد الحزب الشيوعي من البرلمان بعد الانتخابات في اقسى تجليات الابارتايد السياسي ولكن ذلك هو ما قاد الى انقلاب مايو اليساري ١٩٦٩م الذي اقصى البرلمان والديمقراطية برمتها من الحياة السياسية ( التغيير الجذري) وقاموا بممارسة التطهير السياسي ضد موظفي الخدمة العامة عبر قانون الصالح العام ومالبث ان انقلب عليهم نميري فقام بتطهيرهم ومعهم بقية الاحزاب.
أحسب أن ظاهرة الابارتايد السياسي هذه هي الفاعل الاساسي في حراك احزابنا وفي مواقف النشطاء السياسيين على صعيد منصات التواصل الاجتماعي يكرسون العزل الاجتماعي والتفرقة وخطاب الكراهية ولا يوفرون اجواء التعايش الديمقراطي قط ولذلك فلابد ان هذه الظاهرة هي المسؤولة مباشرة عن تعثر الدولة وتردي الحياة العامة وضمور التنمية.
انها عقليات بادية تقمصت آيدولوجيات معاصرة ومضت تمارس الشطط في التمييز والاقصاء وحتى اشعال الحروب كلعبة مفضلة ومستطردة وبلا نهاية مع الزعم انها ممارسة للسياسة بأدوات سلمية. بينما هي تمثل للسلوك غير الديمقراطي وغير المدني.
ألا لا يجهلن أحد علينا
ونجهل فوق جهل الجاهلينا
وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْواً
وَيَشْرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً وَطِيْنَا
غافل من ينتظر أن تنتهي مآسي السودان وثاراته وظلاماته السياسية دون أن تنشق الأرض وتبتلع عقلية (بكر وتغلب) وحرب البسوس المستشرية هذه. عقلية الاباتايد وقطبي الرحى.
والله غالب على امره
ملحوظة:
لا يوجد حتى الآن في السودان قانون مستقل وصريح يجرم التمييز والاضطهاد السياسي مع انه من ابرز الجرائم التي تنتظم حياتنا العامة وتسبب التباعد والفرقة السياسية بكل تداعياتها الماثلة وفي مقدمتها هزيمة الاستقرار والوفاق السياسي.
د. محمد عبد القادر سبيل
خبير اداري واقتصادي