الأعمدة

*عن أي هزيمة دبلوماسية يتحدثون.؟ واشنطن لم تغلق ملف السودان بعد !!!!* *بقلم السفير الصادق المقلي*. *المقارنة مع ملف الإرهاب: درس التاريخ لا يعني تطابق المسارات*.. ( B )

*عن أي هزيمة دبلوماسية يتحدثون.؟ واشنطن لم تغلق ملف السودان بعد !!!!*

*بقلم السفير الصادق المقلي*.

*المقارنة مع ملف الإرهاب: درس التاريخ لا يعني تطابق المسارات*..

( B )

لا يمكن مناقشة خطورة هذه التدابير من دون استحضار تجربة العقوبات الأمريكية المرتبطة بتصنيف السودان دولة راعية للإرهاب. فقد أُدرج السودان على القائمة الأمريكية عام 1993، بينما فُرضت العقوبات الاقتصادية والتجارية الأمريكية الواسعة في عام 1997. واستمر أثر تلك الإجراءات سنوات طويلة، وتداخل مع عزلة السودان المالية والتجارية ومع أزماته السياسية والاقتصادية الداخلية.
لكن من الخطأ أيضاً القول إن العقوبات وحدها أسقطت نظام الإنقاذ؛ فقد تفاعلت عوامل متعددة، من بينها الأزمة الاقتصادية، والاحتجاجات الشعبية، والصراع داخل بنية النظام، والتحولات السياسية التي انتهت بسقوط عمر البشير عام 2019.
المغزى من المقارنة ليس الادعاء بأن المسار الحالي مطابق لمسار التسعينيات، ولا الجزم بأن العقوبات الجديدة ستقود حتماً إلى النتائج نفسها. فلكل مسار أساسه القانوني ونطاقه وظروفه. وإنما المغزى أن العقوبات الأمريكية قد تستمر وتترك آثاراً طويلة الأجل حتى عندما تتغير المعادلات السياسية أو تتعثر المساعي داخل المؤسسات الدولية.
ولهذا فإن حصر النقاش في مصير مشروع حظر السلاح الأممي قد يؤدي إلى تجاهل مسار موازٍ لا يقل أهمية: كيف ستتعامل واشنطن مع اتهام الأسلحة الكيميائية، وما الإجراءات الإضافية التي قد تتخذها، وما انعكاسات ذلك على الاقتصاد السوداني والمؤسسات العامة والتعاملات الخارجية؟
هل تتجه واشنطن إلى التصعيد أم إلى البراغماتية؟
لا توجد ضرورة منطقية تجعل فشل مشروع القرار، إن حدث، يقود تلقائياً إلى تدخل عسكري أمريكي أو إلى إنشاء تحالف إقليمي لفرض الحظر بالقوة. فبين التوافق الأممي والتدخل العسكري مساحة واسعة من الخيارات: عقوبات وطنية جديدة، وضغوط على شبكات الإمداد الخارجية، وتنسيق مع دول الإقليم، ومراقبة أكثر فاعلية لحركة السلاح، ومحاولات جديدة لصياغة مشروع يمكن أن يحظى بتأييد أوسع.
والتدخل العسكري المباشر مسار مختلف تماماً، من حيث الكلفة والمخاطر والأساس القانوني واحتمالات اتساع الحرب. ولا توجد مبررات كافية لاعتباره النتيجة الطبيعية لتعثر التفاوض. كما أن الحديث عن تحالف إقليمي ينبغي أن يميز بين تعاون استخباراتي ورقابي أو دبلوماسي، وبين قوة عسكرية تتولى فرض الحظر بالقوة؛ فلكل منهما تبعات مختلفة.
في المقابل، فإن استمرار العقوبات وتصعيدها لا يخلو من مخاطر على المدنيين والاقتصاد. لذلك ينبغي أن يكون النقاش حولها واقعياً: ما الجهات التي تستهدفها؟ ما مدى قدرتها على وقف الإمدادات العسكرية؟ هل توجد استثناءات إنسانية قابلة للتطبيق؟ وهل ترتبط الإجراءات بمسار واضح نحو وقف الحرب، أم تتحول إلى قيود إضافية لا تغيّر حسابات الأطراف المتحاربة؟
السودان لا يحتمل مزيداً من المغامرات السياسية
في ظل هذه المعطيات، أرى أن العقلانية والبراغماتية تقتضيان الابتعاد عن خطاب المواجهة الذي يفترض أن كل تحرك أمريكي مؤامرة مكتملة، كما تقتضيان الابتعاد عن القراءة المعاكسة التي تتعامل مع كل تعثر أمريكي باعتباره انتصاراً نهائياً. فالدول تتحرك وفق مصالحها وأدواتها وحساباتها، وقد تغيّر مساراتها عندما لا تحقق الصيغة الأولى أهدافها.
ليس من الحكمة أن يراهن أحد على سقوط مشروع في مجلس الأمن بوصفه نهاية للضغط الدولي، كما ليس من الحكمة افتراض أن توسيع الحظر سيحل الأزمة وحده أو أنه سيُطبّق بالفاعلية نفسها في جميع أنحاء البلاد. المطلوب هو تقييم النصوص والقرارات وآليات التنفيذ، ومتابعة ما إذا كانت الضغوط ستؤدي فعلاً إلى تقليص تدفق السلاح، وفتح الممرات الإنسانية، ودفع أطراف الحرب إلى هدنة قابلة للتحقق.
والأهم ألا يتحول الخلاف حول حظر السلاح إلى ذريعة لتجاهل الكارثة التي يعيشها السودانيون. فالسودان يعاني بالفعل ما يكفي من الحرب والدمار والنزوح والانهيار الاقتصادي والإنساني. وأي سياسة، داخلية كانت أم خارجية، ينبغي أن تُقاس بقدرتها على تخفيف هذه الكلفة، لا بمدى ما تمنحه لمؤيديها من شعور بالنصر في سجال سياسي أو إعلامي.
أما السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً حتى ديسمبر، فليس من الذي ألحق الهزيمة بمن، بل ماذا ستفعل واشنطن إذا لم يمر مشروعها؟ هل تعود إلى التفاوض على صيغة أكثر قابلية للتوافق؟ هل توسّع عقوباتها الوطنية؟ هل تعزز التعاون الإقليمي؟ لا يمكن الجزم بالنتيجة قبل أن تتضح مواقف الأطراف والخطوات الأمريكية المقبلة.
لكن ما يمكن قوله الآن هو أن التمديد التقني بالإجماع أبقى الملف مفتوحاً، وأن تعثر مشروع واحد لا ينهي أدوات الضغط الأخرى. ولهذا فإن وصف ما حدث بأنه «هزيمة دبلوماسية نهائية» سابق لأوانه، تماماً كما أن اعتبار التمديد انتصاراً نهائياً لأي طرف لا تسنده الوقائع وحدها.
في النهاية، لا يحتاج السودان إلى رهانات على مواجهة مفتوحة مع المجتمع الدولي. إنه يحتاج إلى قراءة هادئة لموازين القوى، ودبلوماسية قادرة على حماية مصالحه، وموقف عملي يضع وقف الحرب وحماية المدنيين ووصول المساعدات في مقدمة الأولويات. فالعقلانية ليست تنازلاً، والبراغماتية ليست استسلاماً؛ بل قد تكونان السبيل لتجنب أثمان إضافية يدفعها شعب أنهكته الحرب بالفعل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى