
لاتطرق باب امدرمان فاهلها رحلو
لم يعد سكان ام درمان وكرري شركاء وجذء من عالم يقال انه قد صار لقرية صغيرة أو غرفة تجمع سكان استراليا من المهجرين والمنفيين الأوروبيين فقد كانت أروبا تسجن مجرميها في تلك الأرض البور تجمعهم بافارقة الاشانتي في غانا والكيبو في بتسوانا والامازيق في المغرب والأقباط في مصر والكتالونيين في أسبانيا والهنود الحمر القادمين من القارة الصفراء إلى أمريكا الجحيم والفردوس
في عالم اليوم صار كل هؤلاء تجمعهم شبكة تواصل حميم وتلاقي أليف عبر شبكة الإنترنت التي حلت نصف مشاكل العالم وتركت النصف الآخر للاقدار
سكان ام درمان تقطعت عنهم خيوط التلاقي مع العالم بحرمان ام درمان من نعمة الهاتف اتصالا وانترنت منذ ثلاثة أسابيع وتوقف رنين الهواتف وجمدت( قريشات) مصروف الأسر على قلته محبوسا في الهواتف بنكك وفوري وغيرها من التطبيقات مجرد زكري المرأة المسنه تتوكا على عصاها في هجعة النهار وتستجمع همتها لتصعد جبل كرري حيث تنساب من حين لآخر خيوط الشبكة العنكبوتية فأنت تبحث عن تلاحم بين هاتفك وشبكة زين أو سوداني تتصاعد أنفاس الناس من حولك هذه امرأة تناجي زوجها بتحويل المصاريف على هاتف ما ورجلا مسنا لايدري هل تسقط على راسه دانة اربجي بعد ساعة يتوسل لابنه بأن يضاعف المصاريف وانت في همك وغمك ينفجر رجلا باكيا لوفاة عزيزا عليه في دنقلا أو أب حجار منذ أسبوع؛؛
بعد. أصبحت شبكات الاتصالات هي نصف الحياة الحالية حرمت منها ام درمان وتوجعت من الحرمان انتظارا لانتصار منتظر وعودة للأمن والأمان ولكننا ربما ننتظر طويلا ونعود كما عدنا إلى عصور سحيقة من البداوة والتقهقر
يسعد العالم بأعياد رأس السنة قريبا ونفجع نحن بالدانات التي تتساقط على الرؤوس ولكننا عازمون على البقاء ممسكون باهداب ام درمان التي جئنا إليها في قطار السادسة صباحاً المعروف بقطار الغرب ومنذ ثمانينات القرن الماضي ارضعتنا ام درمان من حليبها واحتوتنا بعطرها ونداوتها وأصبحنا منها وإليها حتى لو كنا من سكان جبال كرري فنحن من جبال إلى جبال ومن أرض خربها التمرد لأرض خربتها مليشيات تهدم كل السودان القديم من أجل إشباع رغبات دعاة وأوهام دولة العطاوة
سألني الصديق الإنسان عبدالباسط سبدرات آخر الرجال المغادرين جبل أولياء قبل أن يجتاحها التتار الجدد عن أسباب صمتي عن إرسال بعض الحروف وقلت أنني محاصر في كرري وانقطت عنا خيوط الاتصالات ولم نعد قادرين على رشق الحروف عبر ( الفسبكة والوستبة) في انتظار فجرا سيأتي مهما تأخر وسبدرات الذي كل يوم يثبت هذا الدنقلاوي الوسيم فراسة ورجولة ووفاء ويكفي سبدرات تصديه للدفاع عن رفقاء الأمس حينما عذ الرفيق
سنظل في امدرمان رغم الرهق وصعود الجبال من أجل الاتصال بمن نحب وإرسال بعض مايشغل النفس ونردد مع الأديب الشاعر مختار دفع الله
ممهما دنياي ضاقت
مابسيب ام درمان وافوتا
كيف اسيب مرتع صباي
بين حواريها وبيوتا
وكيف اسيب ام درمان وغادر
وابقى بين نازح ولاجي
في مداين الدنيا هايم
أشقى بي ذل الملاجي
ولو خطر في بالي طيفا
باشتياق ام در بناجي
ومهما ليل أيامنا أظلم
واصحى ليل حالك وداجي
بكره تصبح قصة عابره وذكري
تحكيها الاحاجي
يوسف عبد المنان