“ميارِمْ دارفور” … نساء على خط “النار”.. يُطعِمن بيدٍ ويحمِلن السلاح بالأخرى

كَسَرن المألوف من على صهوة “الرشاش” ومقابِض “الدوشكا”
مع المشتركة يشارِكن في صمود الفاشر بعزيمة المرأة الدارفورية
“آسيا الخليفة” مراسل حربي الفاشر.. حاملة البشارات والثبات
“سارة إسماعيل”تقاتل إلى جانب إبنها.. والميرم “نعيمة” أول شهيدة
آلاف الماجدات يسطرن مواقف جديرة بالإحتفاء
من الفاشر أبو زكريا دافعن عن كل السودان..حائط صد أمام التقسيم
تقرير :أشرف إبراهيم
حرب مليشيا الدعم السريع المتمردة، استهدفت بشكل خاص نساء السودان في كل المناطق التي دنستها المليشيا، وذلك عبر جرائم الإغتصاب الممنهج والتعذيب والسبي وبيع النساء في جريمة تجاوزتها الإنسانية بقرون من الزمان، بيد أن نساء دارفور بصورة عامة ونساء الفاشر على نحو أخص نهضن بدور كبير في مجابهة المليشيا “الفاشية”، وحملن السلاح جنباً الى جنب الرجال، يقاتلن بصمود وبسالة وسطرن ملاحم تاريخية تشبه نساء دارفور والسودان، حفيدات الميرم تاجا والسلطانة مندي بت عجبنا ومهيرة بت عبود وغيرهن من الماجدات اللائي حفظ لهن التاريخ ماصنعن في الأوقات العصيبة من شحذ همم الرجال والقتال معهم لنصرة الحق والدفاع عن الأرض والعرض في وجه الغزاة المستبدين الذين تختلف وجهاتهم وسحناتهم ولغاتهم من عصر إلى آخر بينما تظل المؤامرة والجريمة متشابهة.
على صهوة الرشاش
لم يكن مألوفاً رؤية النساء وهن يحملن السلاح حتى الأسلحة الخفيفة، ولكن النساء اللائي يقاتلن الى جانب القوات المشتركة والجيش والمستنفرين بدارفور كسرن القاعدة والمألوف وهن يحمل “الكلاشينكوف” وينتصبن على صهوة العربات القتالية حاملة المدفع الثنائي و”الرشاش” و”الدوشكا”، وسطرن سيرة جديرة بالإحتفاء والتقريظ، مدافعات من فاشر السلطان عن كل السودان في وجه مخططات التقسيم والتخريب من دول الشر والمليشيا وأعوانها.
قدح الميارم
لم يشغل حمل السلاح نساء دارفور عن الكرم المعهود اللائي عرفن به وأعددن باليد الأخرى “قدح الميارم” و(زاد الحبان)، لكل القوات والفرسان في سوح القتال المختلفة التي بات مسرحها في دارفور ممتداً من الفاشر الى كتم ومليط وكلبس وفوربرنقا ليشمل في وقت قريب كل شبر وطأته أقدام الأوباش، يعملن ليلاً ونهار في إعداد الطعام واليد الأخرى على الزناد .

رقيب إول آسيا حاملة البشارات
الحرب في الفاشر، أظهرت وجه نسائي من المراسلين الحربيين وهي الرقيب أول آسيا الخليفة التي ظلت تحمل السلاح بيد وبيدها الأخرى “آلة التسجيل”، حاملة البشارات بالانتصارات والثبات لكل السودانيين داخل وخارج السودان، وأظهرت آسيا شجاعة وإحترافية في أداء مهمتها المحاطة بالمخاطر ليتم التوجيه بترقيتها إلى رتبة الرقيب أول، ترقية مستحقة بجدارة.
” نعيمة” شهيدة الوطن
ويقول الباحث والخبير في الشأن الدارفوري الإعلامي علي منصور في حديثه ل(الكرامة)، بأن المرأة الدارفورية تاريخياً عرفت بأدوار ها الكبيرة في تحريك المجتمع وبكرمها الفياض ولها أدوار كبيرة في زمن الحرب والسلم ومثلما نرى اليوم الميرم سارة واخواتها يحملن السلاح لدرجة أن قدمن الميرم نعيمة شهيدة في ميادين القتال دفاعاً عن الوطن، َهن ظلن يعددن الزاد استناداً على موروثات نشأن عليها.

إمرأة دارفورية توقف حرب “الناقة”
ويضيف منصور أنه في إرساء دعائم السلام تبرز دور شقيقة السلطان شرنقو عبدالله التي أوقفت حرب بسوس دارفور، وهي سلسلة من المعارك العرقية والقبلية شنها الجنيديون وهم الرزيقات والمسيرية و الحوازمة ومعهم أولاد راشد والحيماد (هبانية، تعايشة) مستهدفين مضارب قبيلة (خزام) ثأراً لمحسوبهم (العريقي) الذي سلبت منه ناقته (العنجاء) حيث اندلعت تلك الأحداث المأساوية في جغرافيا غرب السودان والشرق والجنوب الشرقي لتشاد الأرض الممتدة من غرب كردفان
الى جنوب دارفور (قوز دنقو) مروراَ بغرب دارفور (وادي صالح) دخولاً الى شرق تشاد (اقليم آتية البطحا) وسمي بحرب (ناقة فنى) وهي حروب تشبه حرب البسوس، ووجه الشبه يكمن في أسباب إندلاعها
و تداعيتها اللا إنسانية المفجعة (كانت الناقة) التي تسببت في نشوب حرب جاهلية أُزهقت فيها الكثير من الأرواح فانبرت شقيقة السلطان شرنقو عبدالله وعقرت الناقة فتوقفت الحرب وهناك ما قامت به والدة السلطان عمر “كسفروك” التي ساهمت في إيقاف الظلم والجور بمكيدة التيتل كما تقول المرويات الشفهية حيث تولى السلطان عمر “كسفروك” دفة الحكم في سلطنة “الداجو” وكان جائراً ومن قصص ظلمه للرعية أراد أن ينقلوا جبل( أم كردوس)…شمال شرق مدينة (نيالا) ليكمل به الجبال في بلده مائة وقد كانت “99” جبلاً فأمر الرعية بنقل الجبل فظل أفراد مملكته يحفرون تحت الجبل لمدة ثلاثة أعوام ويموتون بالإرهاق والثعابين والعقارب والسقوط في الحفرة وهو لا يبالي مات منهم خلق كثير أطفال ونساء وشيوخ ولما ضاق الحال أتته والدته وهي إمرأة حكيمة آمنت بمبدأ موت الولد ولا خراب البلد وقالت له انت ركبت الابل والمساكين أي عامة الشعب ركبوها وركبت الخيل وأيضاً المساكين ركبوها وهنالك شئ لو ركبت عليه المساكين لن بقدروا عليه فطرب لكلامها وانتشي وسألها ماهو هذا الشئ قالت له التيتل (حيوان متوحش يعيش في البراري فامر فوراً بإحضاره ووضعوا له (السرج ) الملكي وربطوه عليه وانطلق به هذا الوحش فقطعه إرباً وارتاحت الرعية من ظلمه وطغيانه فكان آخر ملوك “الداجو”،!ولذلك تاريخ المرأة في دارفور حالة متفردة بذاتها تستوجب دراستها والتعلم منها فهي ليست حالة طارئة وإنما متجذرة من قديم حيث لها مكانة متميزة ولها سطوتها وهيبتها وحدود مسئولياتها ضاربة في جذور التاريخ منذ نشأة السلطنة في تناغم وانسجام لها ثروتها المستقلة وإرادتها غير المسلوبة وصلت بها إلى بلاط السلطنة إلى درجة انه كان لأخت السلطان جيشاً خاصاً بها وفي يوم العرضة تبرز على فرسها متقدمة الصفوف على يمين السلطان وسط حاشيتها وأبهتها وهي وإن لم تتوج سلطانة مطلقة فنفوذها وأثرها يكاد يتساوى مع نفوذ السلطان نفسه في البلاط وتسمي (إيا باسي) وهو لقب الأميرة الأم – الشقيقة الأثيرة للسلطان وهناك لقب الحبوبة وهو لقب الملكة الأم ومن حيث النفوذ السياسي فإن “إيا باسي” هي ذات التأثير وتعني حرفياً المرأة العظيمة وهي دائماً أخت الملك ولا تقِلُّ في الواقع عن الأب و شيخ والكامينا”خاصة وإن سلطتها الفعلية تفوق سلطة الأم ويجب إعتبارها موظفاً إذ لها جيشها الخاص بها وتظهر في المواكب راكبة جواداً وهي تستقبل كل من يريد الإتصال بها وقد استخدمها كثير من كبار الموظفين كوسيط وواسطة بينهم والسلطان، ويتميز وضع أخت الملك في يوم العرضة إذ يسرد” ناختيقال” وكان أعمام الملك وإخوانه قد مروا على التوالي تحت راياتهم وطبولهم وقرونهم وحملة بنادقهم وأتباعهم المسلحين بالرماح وتوقفوا أمام الملك فحيوه وعادوا إلى أماكنهم حيث بقوا حتى نهاية العرض وأمامهم وعلى مقربة منا كانت “الإياباسي” على جوادها الذي تمتطيه كالرجال في ثوب أصفر من الحرير وغطاء رأس غال يغطي رأسها وجسدها قد ظلت هناك لا تبرح مكانها.
أدوار الميارم
ويقول منصور في السلطنة كان للميارم أدواراً هامة ويمثلن مراكز القوى فيها وكنّ يشاركن في عمليات اتخاذ القرارات الكبرى في الدولة
وكن يحضرن المعارك العسكرية ولهن منصب كبير كما إسلفت وهو ( ايّا باسي) وهي مسؤولة المرأة فبرز منهن “إيا باسي” الميرم تاجه بنت زكريا بن محمد الفضل اخت السلطان علي دينار و”إيا باسي” زمزم بنت السلطان محمد الفضل عمة السلطان علي دينار شقيقة السلطان محمد حسين (۱۸۳۸ / ۱۸۷۳) التي تكني (أيار – زمزم – سندي ستري) أي ساتر العروض،ويقول منصور وقدح الميرم وهو عبارة عن طبق طعام المرأة الماهرة في الطبخ وهو طبق من طعام محلي يصنع بمهارة وتحمله النساء على رؤوسهن لتقديمه للضيوف في المناسبات العامة والخاصة لإظهار الكرم والمهارة العالية في فن الطبخ وتعتبر واحدة من أهم المتطلبات التي تمنح بموجبها المرأة الدارفورية لقب ميرم
لذلك الميارم لم يتخلين عن تقاليدهن أثناء الحرب فقد قدمن قدح الميارم للمقاتلين وللنازحين ففي منطقة “جديد السيل” استقبلن النازحين علي بعد أكثر من ثلاثة كيلو متر ولم يقصرن في توفير الوجبات الغذائية فهذا الأمر تقليد قديم موروث من الأسلاف ويتمسك به الأحفاد.

الميرم سارة تقاتل مع إبنها
ويقول الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم عربي عن المرأة التي تقاتل في دارفور، ومنهن (الميرم) سارة إسماعيل أبكر التي وقفت تقاتل بجانب إبنها فارس أحد فرسان معركة الفاشر ومواصلة لمجاهدات زوجها بشارة حسن قرض الشهير ب(بشارة نيور) الذي إستشهد في ميدان القتال في صفوف حركة تحرير السودان (جناح مناوي) وهي أيضا شقيقة أحد قادة المتحركات وهو عبد العزيز إسماعيل أبكر (نيري).
ويضيف عربي بلاشك (الميرم) سارة إسماعيل تعد نموذجاً للمرأة الدارفورية (الزوجة والبنت والأم) ونموذج للمرأة التي نكلت بها المليشيا الإرهابية المتمردة شر تنكيل فأذاقتها مر الحنظل في نفسها وفي زينتها وممتلكاتها وفي زوجها وأولادها الذكور الذين قتلتهم هذه المليشيات في “الجنينة” وفي “أردمتا” وفي كل مكان في دارفور أرض القرٱن والمحمل، موكداً أن (الميرم) سارة هي إمتداد طبيعي لمسيرة الميارم في سلطنة دارفور، الميرم تاجه أخت السلطان علي دينار . وهي بالطبع إمتدادا لمسيرة المرأة السودانية، ولا يقل دورها عن دور مهيرة بت عبود ورابحة الكنانية ومندي بت السلطان عجبنا ولكل منهن دور مشرف في زمانه.
ويمضي عربي بالقول :في تقديري أن الفظائع التي ذاقتها المرأة الدارفورية في نفسها وفي أطفالها حسبما كشفت عنها إستطلاعات الناجيات من الجنينة واللائي لجأن لدولة تشاد فراراِ بما تيسر لهن من الأبناء ، مأساة حقيقية مسجلة في أضابير الجرائم ضد الإنسانية من قهر وبطش وتعذيب وتحرش واغتصاب، وقامت المليشيا بتجميع الأطفال الذكور وإطلاق النار عليهم بالجنينة لإفناء المساليت من الوجود وإنتهاك حرمات النساء ، قصدت بها المليشيا كسر المرأة الدارفورية والقيام بتغيير ديمغرافي كامل ،و مثل هذه الأحداث رفعت وتيرة مناضلات المرأة الدارفورية لتحدث المفاجأة وكانت الميرم سارة واحدة منهن ولكنها بالطبع لم تكن هي الأولي وقد سبقتها كثر من النساء الدارفوريات ، إلا أن الميرم سارة إسماعيل إستحقت أن تصبح أيقونة المرأة الدارفورية لمجاهداتها في تجربة فريدة تقاتل مع ولدها في الصفوف الأمامية.