
نظرات في مسيرة الحركة الإسلامية السودانية الحلقة (٣)
ألسنة وأقلام
نظام مايو – الجزء الأوّل
بابكر إسماعيل
٥/ ١٢/ ٢٠٢٣
يا فارسنا وحارسنا
يا بيتنا ومدارسنا
كنا زمن نفتش ليك
وجيتنا الليلة كايسنا
يا حارسنا
حبابك ما غريب الدار
وماك لي حقنا الودار
كنا زمن نفتش ليك
وجيتنا الليلة كايسنا
يا حارسنا
جيتنا وفيك ملامحنا
بعد يا مايو ما يئسنا
بنرجع ليك توصينا
بنسمع ليك تحدثنا (١)
هكذا غنّى محمد عثمان وردي مبتهجاً بانقلاب الحزب الشيوعي الميمون .. كما لم يغنِّ من قبل:
دبّر التيار اليساري العريض (شيوعيون وبعثيون وناصريون) انقلاب ٢٥ مايو ١٩٦٩ وذلك عقب حلّ الحزب الشيوعى وطرد نوابه من البرلمان في ١٥/ ١١/ ١٩٦٥
وكانت الشرارة التي أدّت للغضب الشعبي علي الحزب الشيوعى السوداني تهجم الطالب: شوقي محمد علي وهو أحد كوادر الحزب في ندوة بمعهد المعلمين العالي علي بيت النبوة وشرف أزواج النبيّ صلَّي الله عليه وسلم وكان من الطبيعي أن يقود إسلاميو جبهة الميثاق المظاهرات الشعبية ومنهم المرحوم علي عبد الله يعقوب.
وتطورت الأزمة ووصلت إلى البرلمان وتحمس الرئيس إسماعيل الأزهري لفكرة طرد نواب الحزب الشيوعي وحله .. وقد كان
عقب انقلاب مايو وعلى غير المتوقع استكانت بعض الأحزاب الكبري فقد أرسل السيد علي الميرغني زعيم طائفة الختمية رسالة ترحيب ضمني بالانقلاب ونال بها مقعدين في مجلس الوزراء (محي الدين صابر وموسى المبارك). وكان موقف الصادق مهادناً وعاتب قادة الانقلاب لحرمانهم حزب الأمة من المقاعد الوزارية (٢) على عكس عمّه إمام الأنصار الذي انتبه للصبغة الشيوعية للانقلاب وأعلن عداءه السافر له وسانده التيّار الإسلامي.
الرئيس نميري (يناير ١٩٣٠ – مايو ٢٠٠٩):
ولد بودنوباوي قريباً من مسجد الأنصار ودرس بها المرحلة الأولية ثم انتقل مع أسرته إلى مدينة ود مدني حيث أكمل المرحلة الوسطى والثانوية بمدرسة حنتوب التي زامل فيها الدكتور حسن الترابي والأستاذ محمد إبراهيم نقد ثم التحق بالكلية الحربية وتخرج منها في العام ١٩٥٢.
نال جعفر نميري ماجستير العلوم العسكرية من أكاديمية ليفينورث العسكرية بولاية كانساس الأمريكية في العام ١٩٦٦. (٣)
اتهم نميري بعدة محاولات إنقلابية بما فيها محاولة خالد الكد ولم تثبت عليه التهم ونقل إلى مدرسة المشاه بجبيت لإبعاده من العاصمة..
ترأس جعفر نميري مجلس قيادة انقلاب مايو ١٩٦٩ الذي دبّره تنظيم الضباط الأحرار – القريب من الحزب الشيوعى – والضباط البعثيون والناصريون
حكم جعفر نميري السودان في الفترة من ٢٥ مايو ١٩٦٩ وحتى ٦ أبريل ١٩٨٥ بتنظيم سياسي أوحد أسمّاه الاتحاد الاشتراكي وهو نفس اسم الحزب السياسي الذي أنشأه الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر وبصيغة شعبوية على النمط الاشتراكي الشيوعي تسمّى تحالف قوى الشعب العاملة
كما دخل السودان في في وحدة قطرية ثلاثية فاشلة (مع مصر وليبيا) في أول عهد مايو.
الحقب المايوية:
قسّم الدكتور منصور خالد في كتابه النخبة السودانية وإدمان الفشل الحقب المايوية إلى أربع حقب كالآتي:
١/ مايو الأولى: ٢٥ مايو ١٩٦٩ – ٢٣ يوليو ١٩٧١
٢/ مايو الثانية: أغسطس ١٩٧١ – ١٩٧٨
٣/ مايو الثالثة: ١٩٧٨ – ١٩٨٣
٤/ مايو الرابعة: ١٩٨٣ – ١٩٨٥
مايو الأولى كانت شيوعية حمراء دموية .. وواجهت عسكرياً الهادي عبد الرحمن المهدي إمام الأنصار المدعوم بمجموعات من الإخوان المسلمين في الجزيرة أبا بولاية النيل الأبيض .. ويُذكر أن السيد الصادق الصديق المهدي كان قد هادن النظام الجديد ولم يساند عمه الهادي في مواجهة نظام مايو (٢)
ومايو الثانية كانت تيهاً حيث انفكت مايو المنهكة من قبضة الحزب الشيوعى وتحالفت في البدء مع ماوتسي تونج في الصين .. ثمّ يممت نحو أمريكا في حقبها اللاحقة ..
مايو الثالثة جرت فيها عدة محاولات فاشلة للانقلاب علي نظام جعفر نميري ومنها مظاهرات شعبان الطلابية في العام ١٩٧٣ (الإخوان المسلمون) ومحاولة حسن حسين الإنقلابية (١٩٧٥) (حزب أمة) ثم محاولة الجبهة الوطنية (حزب الأمة والاتحاديين والإخوان المسلمين) بقيادة محمد نور سعد في يوليو ١٩٧٦ (والتي أطلق عليها النظام المايوي الغزو الليبي الفاشل أو غزوة المرتزقة).
أنشأ جعفر نميري مصانع السكر (في كنانة وسنار وعسلاية) ومشروع الرهد الزراعي ومشاريع تعليب الفاكهة والألبان وأقام بعض مشاريع البنية التحتية والطرق البرية وبدأ مشروع استخراج البترول السوداني (شركة شيفرون الأمريكية) وبدأ حفر قناة جونقلي.
وبنيت قاعة الصداقة في عهده وقصر الشباب والأطفال وأقام المواسم الثقافية والدورات المدرسية وأنشأ الجمعيات الشبابية مثل اتحاد شباب السودان وكتائب مايو ورواد وبراعم مايو وصاحَب حكم مايو زخم فني وغنائي وطفرة ثقافية كبرى
وقّع نميري اتفاقية أديس أبابا للسلام مع التمرد الجنوبي في ٣ مارس ١٩٧٢ .. وبموجبها أعطي الإقليم الجنوبي حكماً ذاتياً وشغل زعيم المتمردين اللواء جوزيف لاقو منصب نائب الرئيس وتفجّر التمرد مرة ثانية بقيادة العقيد جون قرنق دي مبيور في مايو ١٩٨٣ عقب تقسيم الإقليم الجنوبي إلى ثلاثة أقاليم.
وانتقل جعفر نميري لتأييد المحور الأمريكي مع مصر وساندها في اتفاقية كامب ديفيد وشارك في ترحيل اليهود الفلاشا من إثيوبيا عبر السودان
(جرت محاكمات تهريب الفلاشا عقب سقوط نظام نميري – وكان أحد المتهمين فيها العقيد حينها الفاتح عروة – المدير العام الحالي لشركة زين للاتصالات).
تصوّف الرئيس نميري في أواخر عهده حيث أراق الخمور ومنع الرّبا والدعارة وأقام الشريعة الإسلامية
الجبهة الوطنية الموحدة ضد مايو:
قاد الشريف حسين الهندي الشق السياسي من المعارضة وأسهم عبر أصدقائه في الخليج وغيرهم في توفير الدعم المالي واللوجستي من منفاه الاختياري بلندن ووفّر حزب الأمة المقاتلين الأشداء من أعراب بادية كردفان ودارفور (الجنجويد لاحقاً) وتلخصت مشاركة الإسلاميين في أعداد محدودة من طلاب الجامعات اليافعين وقليل ممن سواهم منهم د/ محمد صالح عمر (استشهد باكراً في هجوم الجيش على الجزيرة أبا) ومحمد محمد صادق الكاروري وإبراهيم السنوسي ومهدي إبراهيم وغيرهم … وعمل كذلك الإسلامي عثمان خالد مضوّي المحامي في الشق السياسي واستقطاب العون الخليجي (السعودي).
ولا ننسى معارضة حلفاء مايو السابقين من بعثيين وشيوعيين ولكنها كانت غير ذات تأثير بسبب كسر شوكة الحزبين وإعدام قياداتهم العسكرية والسياسية .. ولم يتعدّ نضالهم كتابة الشعارات الليلية على الحوائط.. وكان جهاز الأمن المايويُّ قويّاً مهاباً باطشاً فهاجر كثير من الكفاءات اليسارية وغيرهم إلى الدول الغربية والخليج حيث ساهموا في النهضة الخليجية التي أعقبت عقب حرب أكتوبر ١٩٧٣ وارتفاع أسعار النفط ..
————————/////////———-//////————-
(١) حارسنا وفارسنا .. قصيدة محمود شريف يتغزّل في جعفر نميري وغنّاها وردي
(٢) منصور خالد – النخبة السودانية وإدمان الفشل
(٣) ويكيبيديا