
نقوش متنوعة
نقوش متنوعة
عندما يتكلم الجميع.. فمن يستمع؟
د. كوثر باباي
في زمنٍ أصبح فيه الجميع يتحدث، ويكتب، ويُعلِّق، ويُصدر الأحكام، لم تعد المشكلة في غياب الأصوات، بل في غياب الأذن التي تُصغي.
نتحدث كثيراً عن الحوار، لكننا في أحيانٍ كثيرة لا نتحاور؛ فكل طرف ينتظر دوره ليقول ما يريد، لا ليفهم ما يقوله الآخر. نسمع الكلمات، لكننا لا نسمع ما خلفها من خوفٍ أو احتياجٍ أو وجع.
وعدم الإصغاء هذا يخلق أحياناً حالاتٍ من التشرذم، لأن كلاً منا يتمسك برأيه دون أن يفهم رأي الآخر. ويزداد الأمر سوءاً عندما يفتقد حوارنا إلى التركيز، ويصاب بترهلٍ يجعله يدور في حلقة مفرغة بلا بداية ولا نهاية.
إن الحوار الفاعل يحتاج إلى تحديد نقاطٍ معينة والالتزام بها، والوصول فيها إلى نتائج واضحة. فالوصول إلى النقطة، ووضع النقاط على الحروف، هما الحسامان لكل ما يدور من حوار، وبهما تبرز الآراء وتتضح المواقف.
إن المجتمعات لا تنهض بكثرة المتحدثين، وإنما بقدرتها على الإصغاء؛ لأن الاستماع ليس صمتاً، بل هو وعيٌ واحترامٌ ومحاولة لفهم الآخر قبل الحكم عليه.
والثقافة الحقة تحتم علينا أن نكون محاورين جيدين ومستمعين أكثر.
فهم القضايا واستيعابها هما ما يضعاننا على الطريق الصحيح، ويجعلان من اختلافنا ثراءً لا سبباً للفرقة.
وحين يتحدث الجميع في وقتٍ واحد، تتحول الحقيقة إلى ضجيج، ويصبح الصوت الأعلى هو الأكثر حضوراً، لا الأكثر صواباً.
لذلك، ربما لا نحتاج اليوم إلى مزيدٍ من المنابر بقدر حاجتنا إلى مزيدٍ من المستمعين.
فالسؤال الحقيقي ليس: من لديه ما يقوله؟
بل: عندما يتكلم الجميع.. فمن يستمع؟
—