
نقوش متنوعة
نقوش متنوعة
ما في أيدي الآخرين
✍️د. كوثرباباى
أكثر ما يستنزف الإنسان ليس ما ينقصه، بل انشغاله الدائم بما يملكه الآخرون.
ننظر إلى حياة غيرنا من نافذة المقارنة، فنرى ما لديهم ولا نرى ما لدينا؛ نحصي أموالهم، نجاحاتهم، بيوتهم ومظاهر حياتهم، وننسى أن بين أيدينا نعمًا لا تُشترى: عافية، ستر، سكينة، وضمير ينام مطمئنًا.
المشكلة ليست في أن نطمح إلى الأفضل، فالطموح يصنع التقدم، وإنما في أن يتحول الطموح إلى سخط على النعمة، والمقارنة إلى عجز عن رؤية قيمة ما نملك.
قد يمتلك أحدهم ما تتمنى، لكنه يتمنى في المقابل شيئًا تملكه أنت ولا تراه.
الحياة لا تُقاس بكثرة ما نملك، بل بقدرتنا على إدراك قيمة ما نملك.
فأحيانًا، أعظم ثروة ليست شيئاً نضيفه إلى حياتنا، بل نعمة ننتبه إليها قبل أن نفقدها.
والإنسان الذي يجعل راحته رهينة لما عند الآخرين، يضع مفتاح سعادته في أيدي لا يملكها. كلما إمتلك غيره شيئاً، شعر بالنقص، وكلما إرتفع غيره، ظن أنه يتراجع؛ فيتحول العمر إلى سباق لا نهاية له، لأن المقارنة لا تمنح الإنسان محطة يصل إليها.
والأخطر أن كثرة النظر إلى حياة الآخرين تجعلنا ننسى أن ما نراه ليس الحقيقة كاملة. نحن نرى الواجهة، ولا نرى ما خلفها من تعب وقلق ومسؤوليات وأوجاع. لذلك قد نحسد صورةً، بينما صاحبها يتمنى هدوءاً نعيش نحن تفاصيله دون أن نشعر.
الامتنان ليس أن تتوقف عن الطموح، بل أن تطمح دون أن تحتقر ما بين يديك.
أن تسعى للأفضل وأنت ممتن، وأن تنجح دون أن تجعل نجاح الآخرين مقياساً لفشلك، وأن تعرف أن لكل إنسان توقيته وطريقه ونصيبه.
ربما تكون النعمة التي تبحث عنها بعيداً، هي نفسها النعمة التي اعتدت عليها حتى لم تعد تراها.
فأحفظ قلبك من المقارنة، وعينك من التطلع المرهق، ونفسك من جحود النعم.
فليس الغنى أن تملك كل شيء، وإنما أن تعرف قيمة ما تملك، وتعيش ممتناً له.