نقوش متنوعة

نقوش متنوعة

نقوش متنوعة

التعاون المجتمعي.. حين تتحول الجماعة إلى قوة

 

د. كوثر باباي

لاتكمن قوة المجتمع في كثرة أفراده، ولا في حجم موارده، ولا حتى في عدد مؤسساته؛ بل في قدرته على تحويل إختلاف أفراده إلى تكامل، وتعدد إمكاناتهم إلى قوة مشتركة.

فالمجتمع الذي يعمل فيه كل فرد بمعزل عن الآخر قد يبدو مزدحماً بالحركة، لكنه في الحقيقة يفتقر إلى الإتجاه. أما حين تتقاطع الخبرات، وتتلاقى المسؤوليات، وتتجاوز العقول حدود مصالحها الفردية، تبدأ القوة الحقيقية في الظهور.

التعاون المجتمعي ليس فعلًا خيرياً عابراً، ولا مناسبة تُلتقط فيها الصور، ولا مبادرة تنتهي بانتهاء الحدث. إنه ثقافة في التفكير والسلوك؛ أن يدرك الإنسان أن نجاحه الشخصي لا ينبغي أن يكون جزيرة معزولة وسط مجتمع يتعثر.

فالمعلم الذي يفتح نافذة معرفة لطفل، والطبيب الذي يشارك بخبرته، والشاب الذي يوظف طاقته في خدمة مجتمعه، ورجل الأعمال الذي يرى في الإستثمار مسؤولية إجتماعية، والمرأة التي تحول خبرتها إلى مشروع نافع؛ جميعهم، بطرق مختلفة، يضيفون لبنة في بناء أكبر من حدود أدوارهم الفردية.

والأكثر أهمية أن التعاون لا يعني إلغاء الإختلاف. فالمجتمعات الناضجة لا تحتاج إلى نسخ متطابقة من البشر؛ تحتاج إلى إختلافات تعرف كيف تجتمع حول غاية مشتركة.

المشكلة تبدأ عندما تتحول الفردية من مساحة للإبداع إلى جدار يعزل الإنسان عن محيطه، وعندما يصبح نجاح الآخر تهديداً بدل أن يكون فرصة، وعندما ينظر كل شخص إلى مسؤوليته بإعتبارها شأناً خاصاً، بينما نتائجها تمس الجميع.

وحينها لا تعود المشكلة في غياب الإمكانات، بل في سوء توظيفها.

قد يمتلك الفرد عقلاً يعرف الحل، ويداً تستطيع التنفيذ، ومالاً يمكن أن يمول الفكرة، وخبرة تستطيع تطويرها؛ لكن هذه العناصر تظل عاجزة ما لم تجد بينها لغة مشتركة.

ولهذا فإن بناء المجتمعات لا يبدأ دائماً من المشاريع الضخمة؛ أحيانًا يبدأ من تغيير سؤال بسيط داخل الإنسان:

بدل أن يسأل: «ماذا سأحصل؟»

يسأل: «ماذا أستطيع أن أضيف؟»

ذلك التحول البسيط في السؤال قد يغير علاقة الإنسان بمجتمعه كله.

وربما لا تكون أخطر أزمات المجتمعات تلك التي نراها، بل تلك التي نعتاد رؤيتها حتى نفقد الرغبة في تغييرها.

فالطرق لا تتعطل لأن أحداً لا يستطيع إصلاحها، والمدارس لا تتراجع لأن المعرفة اختفت، والمبادرات لا تموت دائماً بسبب قلة الموارد؛ أحيانًا تموت لأن كل طرف ينتظر الطرف الآخر ليبدأ.

وهنا تكمن المفارقة:

قد يكون المجتمع غنيًا بالأفراد، فقيراً في روح الجماعة.

وغنياً بالقدرات، فقيراً في القدرة على جمعها.

وعندما يفقد الناس ثقتهم بأنفسهم كجماعة، تصبح حتى الإمكانات الكبيرة مجرد أرقام متناثرة.

لذلك، فإن التعاون ليس أن نجتمع حول المشكلة بل أن نجتمع حول مسئوليتنا اتجاهها فالتاريخ لا تصنعه الأيدى الكثيرة وحدها وإنما تصنعه الأيدى التى عرفت متى تتشابك ولاى غاية

وقد يصبح السؤال فى المجتمع ليس من المسئول ؟ بل ماذا حدث. لناحتى أصبح كل واحد منا ينتظر من الآخر أن ينقذه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى