الأعمدة

*همس الحروف*  *الدكتورة ست البنات الكامل ، إسم يحمل مضمون معناه*  *د. الباقر عبد القيوم علي

*همس الحروف*

 

*الدكتورة ست البنات الكامل ، إسم يحمل مضمون معناه*

 

*د. الباقر عبد القيوم علي*

*يكفي أن يكون إسمها ست البنات الكامل ، ففي الاسم وحده شيء من الدلالة ، وفي لفظ إسم والدها (الكامل) ما يغني عن كثير من القول عندما يكون الحديث عن امرأة إكتملت في شخصيتها معاني التربية ، والعلم ، والصبر ، والمسؤولية .*

 

*نشأت الدكتورة ست البنات الكامل محمد أحمد في أم درمان القديمة (حي بيت المال) ، في بيت عُرف بالقرآن وقيمه ، وترعرعت في كنف أسرة أدركت في وقت مبكر أن التربية سيرة تعاش ، فكانت هي الكبرى بين إخونها ، تليها سارة ، ثم محمد أحمد ، وكانت أمها نوال عبد الله مالك ، هي السند الأصيل لها في تكوينها ، وكان لعمتها زينب محمد أحمد نصيب الأسد في رعايتها ومتابعة نشأتها .*

 

*وبين دفء الأم وهيبة العمة ، تشكلت شخصية الدكتورة ست البنات ، فهي تعرف الحنان ، ولكنها لا تستسلم له ، وتعرف الصرامة ، ولكنها لا تفقد أنوثتها ، فدرست علم النفس في جامعة أمدرمان الإسلامية ، ثم مضت إلى علم الإدارة ، فنالت درجة الماجستير من جامعة العلوم والتقانة ، وهي اليوم تواصل طريقها الأكاديمي في الجامعة نفسها، حيث تدرس الدكتوراه في موضوع يتصل بأثر التحول الرقمي في إعادة بناء القطاع المصرفي وتعزيز الشمول المالي في السودان . وكأن مسارها العلمي لم يكن منفصل عن مسارها العملي ، فإختارت أن تدرس الإنسان والإدارة ، ثم تمضي بهما إلى واحد من أكثر ميادين السودان إحتياجاً إلى الفهم وإعادة البناء .*

 

*وفي عام 2014 ، إلتحقت ببنك الخرطوم ، فقد كانت كل سنة قضتها فيه ، عبارة عن مساحة جديدة لإختبار قدرتها وتحمل مسؤوليتها ، وفي أقل من ثماني سنوات ، وصلت إلى إدارة أحد فروع البنك ، في صعود مهني صنعته الثقة التي يضعها الزملاء والعملاء في صاحبها .*

 

*ولعل أكثر ما يلفت في تجربتها أنها لم تكن مديرة تجلس بعيداً عن تفاصيل العمل، فهي موجودة في صميم العمل ، تتابع ، وتراجع ، وتشرف ، وتعرف أن الإدارة الحقيقية تبدأ عندما يتحرك المسؤول من مكتبه إلى حيث تتعقد الأشياء وتحتاج إلى من يفككها بيده وعقله .*

 

*ثم جاءت الحرب ، وحملت معها إلى الخرطوم إمتحان لم تعرفه المدينة في صورتها الحديثة ، فتعطلت كل المؤسسات ، وتوقفت المصالح ، وإنكمشت الحياة في مساحات ضيقة جداً ، وأصبح مجرد إعادة فتح نافذة مصرفية يعتبر فعل من أفعال إستعادة الحياة إلى كل سكان العاصمة .*

 

*وفي تلك اللحظة ، كانت ست البنات واحدة ممن حملوا على عاتقهم المسؤولية لإعادة الحركة إلى الدورة المالية في الخرطوم ، فقد أسهمت بصورة مباشرة في جهود إفتتاح وتشغيل فروع البنك في الحتانة ، والموردة ، والثورة والحلفاية ، وغيرها من المواقع التي كان الوصول إليها والعمل فيها في تلك الظروف أقرب إلى مواجهة يومية مع الخطر ، فلم تكن الطرق آمنة ، وكانت الدانات جزء من الحركة اليومية ، وكان خطر الاغتيال والإختطاف متوقع في كل لحظة ، وكانت الخرطوم مدينة تختبر في كل يوم قدرة أبنائها على الصمود ، ومع ذلك ، مضت هذه الشابة في عملها كما لو أن الخوف شأن آخر ، وأن عليها فقط أن تؤدي ما عليها .*

 

*ولعل السر في ذلك ليس ببعيد عن البيت الذي خرجت منه ، فمن تربى في بيت قيم وأصول ، وكان القرآن ديدنه ومنهجه ، لا يتعلم الصبر بوصفه فضيلة يمارسها ، ولكن بوصفه طريق في مواجهة الحياة ، ومن تربى على سيرة أب حمل الجمال في خلقه وسلوكه حتى آخر يومٍ من حياته ثم رحل ، فمن المؤكد أن الابناء سيأخذون مما ترك لهم وراءه من ميراث غني بالقيم .*

 

*وهكذا حملت ست البنات إسم جدتها وكان فيه شيئ من ميراثها الروحي ، وصفاتها التي بقيت معها في كل تفاصيل سلوكها وكذلك أخذت القوة من العمة … صحيح أنها ما زالت صغيرة في عمرها ، ولكنها كبيرة في مواقفها ، فقد قست الأيام عليها ، ولكنها لم تنكسر لها أبداً .*

 

*وككل تجربة نجاح حقيقية ، لم يكن الطريق إليها ممهداً ، وخالياً من العوائق ، فالنجاح دائماً يستدعي مقاومة كبيرة من الذين لا يرون فيه إلا مرآة تعكس عجزهم ، فقد تعرضت د. ست البنات لمحاولات للنيل من صورتها ومكانتها ، حيث أقام الحاقدون ضدها حملات ممنهجة أرادوا بها إضعاف وجودها وتشوه سيرتها ، وإغتيال شخصيتها ، ولكنها إختارت أن تواجه كل ذلك بالصبر ، وأن تترك للزمن وللحق مساحة يقولان فيها كلمتهما .*

 

*ولنقاء سريرتها كشف الله لها حقيقة من وقف وراء تلك الحملة الشعواء ، وكان بإمكانها أن تجعل من الأذى سبب لأذى من تسبب في ذلك ، وكان من الممكن ان تسترد حقها بالطريقة التي يختارها الغاضبون في رد الحقوق ، ولكنها إختارت العفو .*

 

*ولم يكن عفوها نتيجة ضعف ولا تنازل عن كرامتها ، فقد كان ذلك في تقديري الخاص شيء من أصعب أشكال القوة ، عندما عرفت الحقيقة بكامل تفاصيلها وفضلت الصمت ، في الوقت الذي كانت تملك فيه القدرة على الرد .*

 

*ولعل في ذلك شيئاً من سيرة والدها الراحل ، ذلك الأب الذي ترك في ابنته من الأدب ما جعل العفو عندها موقف ثابت لا تحيد عنه ، وليس كلمة تُقال في المناسبات والمجالس ، وغرس فيها من الصبر خلق رفيع ، أصبح الناس يعرفونه عنها ويشهدون به لها .*

 

*هنيئاً لبنك الخرطوم بامرأة مثل الدكتورة ست البنات الكامل ، وهنيئاً لها بمؤسسة وجدت فيها المساحة التي إستطاعت ان تحول فيها المعرفة إلى ممارسة ، والطموح إلى مسؤولية ، والقيادة إلى سلوك يومي يترك وقع خاص في الناس والمكان .*

 

*ولا ندري من كان صاحب الاختيار الأفضل والأجمل ، أهو بنك الخرطوم عندما وقع إختياره على ست البنات ، أم ست البنات عندما اختارت بنك الخرطوم؟ ، فكلاهما، في تجربته ومكانته ، يضيف إلى الآخر ، وكأن الإختيار هنا كان موفقاً من الطرفين ، حتى أصبح كل منهما جدير بأن يتصدر موقعه بين نظرائه .*

 

*وست البنات الكامل ، كما تبدو سيرتها حتى الآن ، لم تكن تبحث عن واجهة تضيف إلى اسمها شيئاً ، لأنها كانت وما زالت تسير في طريق يجعل إسمها جدير بما يحمله من معنى ، ويجعل ما تحققه امتداد طبيعي لقيم نشأت عليها ، ومسؤولية آمنت بها ، وقيم تركتها في كل موقع مرت به .*

 

*وللسيرة بقية ، سنكتبها في الايام القادمة بما تحمل من فصول بإذن الله تعالى .*

 

*وها نحن نكتب حكاية بعض النساء في سطور ، ولكن لا نستطيع إختصار تجاربهن في كلمات لنكتفي بذلك ، لأن وراء كل نجاح كان هنالك بيتاً صنع البدايات ، وأياماً صعبةً صاغت الصلابة ، وأشخاص تركوا في الروح شيئاً لا تمحوه السنوات ، وهذه ببساطة، حكاية الدكتورة ست البنات الكامل ، فهي امرأة ما زالت تكتب فصلها القادم ، بشيء من الإطمئنان ، وكثير من الثقة ، وإيمان بأن أجمل الفصول لم تُكتب بعد .*

 

*الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل*

elbagirabdelgauom@gmail.com

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى