
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد دكتور مزمل سليمان حمد
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد
ماذا يريدون من الصحفيين؟ وهل أصبحت ملاحقة الصحافة إنجازاً؟
ماذا يريدون من الصحفيين؟
سؤال لا ينبغي أن يكون عابراً، ولا أن يُطرح في مجالس الصحفيين وحدها، وإنما يجب أن يُطرح على أعلى مستويات الدولة: *ماذا تريد السلطة التنفيذية من الصحافة والإعلام؟ وهل أصبح إنجاز بعض المسؤولين ومديري المكاتب والمستشارين القانونيين هو ملاحقة الصحفيين وفتح البلاغات ضدهم؟*
لقد أصبحت المسألة أكبر من قضية صحفي واحد، وأبعد من خلاف شخصي بين مسؤول وصحفي. نحن أمام قضية تتعلق بجوهر العلاقة بين الدولة والصحافة، وبحدود السلطة، وبحق المجتمع في المعرفة، وبالدور الرقابي الذي تقوم به الصحافة في أي دولة تحترم مؤسساتها وقوانينها.
لقد تابعنا بقلق ما أورده الزميل *الأستاذ عبدالماجد عبدالحميد* بشأن لقائه بوزير العدل، الدكتور محمد عبدالله درف، وتقديمه شكوى رسمية يطلب فيها الحماية القانونية مما وصفه بالتعسف والترصد والملاحقة، وبشأن شكاوى قُدمت ضده وضد عدد من الصحفيين والإعلاميين أمام نيابة جرائم المعلوماتية.
وبغض النظر عن تفاصيل كل بلاغ أو شكوى، فإن السؤال الجوهري الذي يجب أن نتوقف أمامه هو:
*هل أصبحت نيابة جرائم المعلوماتية هي الطريق الطبيعي للتعامل مع الصحافة الناقدة؟*
إذا كان الصحفي قد أخطأ، فهناك قانون الصحافة، وهناك المؤسسات المهنية، وهناك القضاء، وهناك الإجراءات القانونية التي تكفل حق الدولة والمواطن والمسؤول في الدفاع عن نفسه. أما أن يتحول كل نقد أو سؤال أو كشف لخلل أو إشارة إلى قصور في أداء مسؤول إلى بلاغ جنائي، فهذه مسألة تستحق المراجعة العاجلة.
فالصحافة ليست مكتب علاقات عامة للوزارات والمؤسسات الحكومية، وليست مهمتها أن تمدح المسؤول عندما يصيب، وتسكت عندما يخطئ.
*وظيفة الصحافة أن تسأل. أن تراقب. أن تنقد. أن تكشف مواطن الخلل. وأن تضع أداء المسؤولين تحت نظر الرأي العام.**
وهذا الدور ليس منحة من مسؤول، وإنما هو جوهر العمل الصحفي.
من أخطر الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها الدولة أن تنظر إلى الصحفي باعتباره خصماً لها.
الصحفي الذي ينتقد وزيراً لا يعني أنه يعادي الدولة، والذي يكشف خللاً في مؤسسة لا يعني أنه يستهدف المؤسسة، والذي يسأل رئيس الحكومة عن قرار أو سياسة لا يعني أنه يعمل ضد الحكومة.
الدولة القوية لا تخاف من السؤال.
والحكومة الواثقة من أدائها لا تنزعج من النقد.
والمسؤول الذي يملك الإجابة لا يحتاج إلى بلاغ جنائي لإسكات الصحفي، وإنما يرد عليه بالحقائق والأرقام والبيانات.
أما تحويل الخلاف المهني إلى خصومة شخصية، وتحويل النقد إلى اتهام، وتحويل الصحفي إلى متهم لمجرد أنه مارس دوره، فإن ذلك يضر بصورة الدولة أكثر مما يضر بالصحفي.
ومن هنا فإن ما يحدث مع الزميل الأستاذ عبدالماجد عبدالحميد، وما أُشير إليه بشأن زملاء آخرين، يجب ألا يُنظر إليه باعتباره مشكلة فردية تخص أشخاصاً بأعينهم.
*اليوم عبدالماجد، وغداً صحفي آخر، وبعد غد قد يصبح الأمر قاعدة عامة.*
وعندما تتحول الاستثناءات إلى منهج، تصبح حرية الصحافة نفسها هي الضحية.
أين اتحاد الصحفيين؟
وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية:
*أين اتحاد الصحفيين؟*
وأين المؤسسة المهنية التي يفترض أن تكون المظلة التي يلجأ إليها الصحفي عندما يتعرض للضغط أو الترهيب أو الملاحقة بسبب ممارسته لمهنته؟
ليس المطلوب من الاتحاد أن يقف مع الصحفي إذا أخطأ، وليس مطلوباً منه أن يبرر مخالفة القانون. لكن المطلوب أن يكون حاضراً عندما يكون هناك خلاف حول ممارسة مهنية، وأن يتأكد من أن الصحفي لا يُعامل بطريقة مختلفة فقط لأنه صحفي.
المؤسسة الصحفية المهنية يجب أن تكون شريكاً في صناعة التشريعات التي تنظم العمل الصحفي، وأن يكون لها موقف واضح من القوانين التي تمس حرية التعبير، وأن تدافع عن استقلال المهنة، وأن تقدم المشورة القانونية للصحفيين، وأن تتدخل عندما تتحول البلاغات إلى وسيلة ضغط أو ترهيب.
إن الصمت في مثل هذه القضايا لا يحل المشكلة.
بل قد يشجع على تكرارها.
قانون الصحافة أولاً
القضية الأساسية التي ينبغي أن تتصدر المشهد الآن هي *الإسراع في إجازة وتطبيق قانون الصحافة والإعلام*، بما يضمن التوازن بين حرية الصحافة وحماية المجتمع وحقوق الأفراد ومؤسسات الدولة.
لا يمكن أن تبقى الصحافة معلقة بين قوانين متعددة، بينما يُستخدم قانون جرائم المعلوماتية في قضايا ذات طبيعة صحفية ومهنية.
إذا كانت هناك مخالفات صحفية حقيقية، فليكن هناك قانون صحافة واضح، يعرف الصحفي من خلاله حقوقه وواجباته، ويعرف المسؤول أيضاً حدود حقه في الرد والشكوى.
إن الاحتكام إلى قانون متخصص في الصحافة لا يعني منح الصحفي حصانة من القانون، وإنما يعني *محاكمة الصحفي على فعل صحفي وفق قانون يعرف طبيعة المهنة وخصوصيتها*.
فالصحفي ليس مواطناً عادياً في كل ما يتعلق بممارسته المهنية، تماماً كما أن الطبيب والمهندس والمحامي وغيرهم من أصحاب المهن لهم قواعد تنظم ممارستهم.
### وزارة العدل.. أين المبادرة؟
وهنا نصل إلى وزارة العدل.
وفق ما ورد في حديث عبدالماجد عبدالحميد، فإن وزارة العدل تنتظر مسودة قانون الصحافة من وزارة الإعلام.
وهنا يبرز سؤال مشروع:
*هل تنتظر وزارة العدل المبادرات، أم أنها جزء من صناعة المبادرة؟*
وزارة العدل ليست جهة تنتظر دائماً أن تأتيها الوزارات الأخرى بما ينبغي أن تفعله. من صميم مسؤوليتها القانونية أن تراجع التشريعات، وتقترح تعديلها، وتدفع باتجاه إصلاح القوانين التي أصبحت بحاجة إلى مراجعة.
وإذا كانت هناك فجوة تشريعية تؤثر في الصحافة والإعلام، فإن المطلوب ليس أن تنتظر الدولة حتى تتفاقم المشكلة، وإنما أن تتحرك مؤسساتها لمعالجتها.
إن الدولة لا يمكن أن تتوقف لأن وزارة تنتظر وزارة أخرى، ولا يمكن أن تظل القوانين المؤثرة في حياة الناس والمهن والمؤسسات معلقة إلى أجل غير مسمى.
*المبادرة مسؤولية مؤسسات الدولة كلها، وليست مسؤولية وزارة واحدة.*
وإذا كانت وزارة الإعلام هي الجهة التي ينبغي أن تقدم المسودة، فلتقدمها.
وإذا كانت تحتاج إلى مساعدة قانونية، فوزارة العدل موجودة.
وإذا كانت تحتاج إلى رؤية مهنية، فاتحاد الصحفيين والخبراء والإعلاميون موجودون.
فما الذي يمنع؟
دعوة رئيس مجلس السيادة للصحفيين.. ماذا بعدها؟
لقد دعا رئيس مجلس السيادة الصحفيين والإعلاميين إلى اللقاء والاستماع إليهم، وهذه خطوة مهمة إذا تحولت من مجرد لقاء إلى **مسار عملي لإصلاح البيئة الصحفية والإعلامية*.
فالصحفيون لا يريدون امتيازات خاصة.
ولا يطلبون أن يكونوا فوق القانون.
إنهم يريدون قانوناً عادلاً، ومؤسسات مهنية قوية، وحماية من التعسف، وضماناً بأن النقد المهني لا يتحول إلى جريمة، وأن الاختلاف مع المسؤول لا يصبح سبباً للملاحقة.
وهنا تقع مسؤولية كبيرة على القيادة السياسية في متابعة ما يطرح من قضايا، لأن حرية الصحافة ليست قضية نخبة من الصحفيين، وإنما قضية مجتمع بأكمله.
المواطن الذي يريد أن يعرف أين ذهبت أمواله، ولماذا تعطل مشروع، ولماذا فشلت مؤسسة، ولماذا ارتفعت الأسعار، ولماذا تأخرت الخدمات، يحتاج إلى صحفي يستطيع أن يسأل دون خوف.
وعندما يخاف الصحفي من السؤال، يخسر المواطن حقه في المعرفة.
نعود إلى السؤال الأول:
*ماذا يريدون من الصحفيين؟*
إذا كانوا يريدون صحافة تصفق، فهذه ليست صحافة.
وإذا كانوا يريدون إعلاماً لا يرى إلا نصف الكأس الممتلئ، فذلك ليس إعلاماً وطنياً.
وإذا كانوا يريدون من الصحفي أن يتحول إلى موظف في مكتب المسؤول، فهذه ليست مهنة.
الصحافة الوطنية الحقيقية هي التي تقف مع الدولة عندما تكون الدولة على حق، وتنبهها عندما تخطئ، وتدافع عن مؤسساتها عندما تتعرض للاستهداف، وفي الوقت ذاته تكشف مواطن الفساد والخلل والقصور.
والصحفي الذي يقوم بذلك لا ينبغي أن يُعامل باعتباره عدواً.
إن الدولة التي تريد أن تنتصر في معركتها الكبرى تحتاج إلى إعلام قوي، حر، مسؤول، مهني، لا إلى إعلام خائف.
لا تجعلوا من ملاحقة الصحفيين إنجازاً
إننا بحاجة إلى أن نعيد تعريف الأولويات.
البلاد تخوض حرباً وتواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وأمنية هائلة، وتحتاج إلى حشد كل طاقاتها لبناء الدولة وإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار.
فهل يعقل أن يتحول جزء من جهد مؤسسات الدولة إلى ملاحقة الصحفيين بسبب مقالات أو تعليقات أو انتقادات؟
هل هذا هو الإنجاز الذي ينبغي أن تتباهى به المكاتب الحكومية؟
إن الإنجاز الحقيقي هو حل مشكلة المواطن، وإعادة بناء المؤسسات، وتحسين الخدمات، ومكافحة الفساد، وحماية المال العام، وخلق بيئة سياسية وإعلامية تساعد على الاستقرار.
أما مطاردة الصحفيين، واستدعاؤهم، وفتح البلاغات ضدهم، وتحويل كل نقد إلى معركة قانونية، فلن يؤدي إلا إلى خلق مزيد من الاحتقان وفقدان الثقة.
نحن لا ندافع عن الخطأ، ولا نطلب حصانة للصحفي من القانون.
لكننا ندافع عن *حق الصحفي في أن يكون صحفياً*
وندافع عن حق المجتمع في صحافة تسأل.
وندافع عن حق الدولة نفسها في أن تسمع النقد قبل أن يتحول الخلل إلى أزمة.
إن قضية الزميل الأستاذ عبدالماجد عبدالحميد ينبغي أن تكون مناسبة لمراجعة أوسع، لا مجرد معالجة لشكوى فردية.
وعلى وزارة العدل أن تتحرك.
وعلى وزارة الإعلام أن تنجز قانون الصحافة.
وعلى اتحاد الصحفيين أن يستعيد دوره.
وعلى المسؤولين ومديري المكاتب والمستشارين القانونيين أن يدركوا أن *الصحفي ليس خصماً شخصياً، وأن النقد ليس جريمة، وأن السؤال ليس إساءة، وأن الرقابة الصحفية ليست مؤامرة على الدولة.*
أما الصحفيون، فعليهم في المقابل أن يلتزموا بالمهنية والدقة والتثبت واحترام القانون.
هذه هي المعادلة العادلة.
*صحافة حرة ومسؤولة، ودولة قوية تحترم النقد، وقانون واضح يحمي الجميع.*
وإلا فإن السؤال سيظل قائماً:
*ماذا يريدون من الصحفيين؟ وهل أصبحت ملاحقتهم إنجازاً؟*