مقالات

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

حين يتحول ملتقى الإعلاميين إلى سلطة على الإعلام؟

ليس الاعتراض على انعقاد ملتقى للإعلاميين في الخرطوم، فعودة الخرطوم وعودة مؤسسات الدولة والإعلام إليها أمر يستحق الترحيب، كما أن جمع أهل الإعلام بعد سنوات الحرب والتشتت يمكن أن يكون خطوة مهمة في طريق التعافي الوطني.

لكن السؤال الحقيقي هو: **من يملك حق تحديد من هم «أهل الإعلام»؟ ومن يمنح لجنة تنظيمية محدودة حق تمثيل هذا الوسط الواسع؟*

هذه هي المشكلة التي بدأت تتسع، والتي ينبغي أن تصل بوضوح إلى السيد رئيس مجلس السيادة، لأن القضية لم تعد خلافاً حول دعوة هذا الصحفي أو ذاك، وإنما أصبحت قضية تتصل بصورة الدولة وإدارة ملف الإعلام في مرحلة دقيقة من تاريخ السودان.

الملتقى، بحسب ما ظهر من طريقة التنظيم والاختيار، تجاوز وظيفته الطبيعية من كونه فعالية للحوار والتشاور، إلى ما يشبه الجهة التي تحدد من يدخل إلى المشهد الإعلامي ومن يبقى خارجه. وهذا أمر خطير؛ لأن

اللجنة المنظمة ليست دولة، وليست نقابة، وليست اتحاداً جامعاً لكل الصحفيين والإعلاميين، ولا يجوز أن تتحول إلى بوابة وحيدة لتعريف «أهل الإعلام».*

والأغرب أن هناك إعلاميين ومؤسسات إعلامية ظلوا في قلب المعركة الوطنية منذ الأيام الأولى للحرب، وعملوا في ظروف بالغة القسوة، وحملوا صوت الدولة والمواطن والقوات المسلحة، ووثقوا للحرب وآثارها، وواصلوا البث عندما توقفت أصوات أخرى أو غادرت البلاد. فكيف يُنظر إلى هؤلاء وكأنهم خارج دائرة «أهل الإعلام»؟

لقد أثبتت الحرب أن الإعلام السوداني ليس الخرطوم وحدها. عندما تعطل المركز، حملت الولايات الرسالة. وعندما صمتت مؤسسات، بقيت مؤسسات أخرى تبث وتوثق وتقاوم الانهيار المعنوي. ولذلك فإن العودة إلى الخرطوم ينبغي ألا تعني العودة إلى *مركزية الإعلام وإقصاء أصوات الولايات*، وكأن سنوات الحرب لم تعلمنا شيئاً.

إن اختيار بعض منسوبي المؤسسات الإعلامية بأسمائهم، مع استبعاد آخرين يعملون في المؤسسات نفسها أو يحملون تاريخاً مهنياً أطول، يفتح أسئلة مشروعة عن معايير الاختيار: هل هي معايير مهنية معلنة؟ أم معرفة شخصية؟ أم تقدير فردي للجنة التنظيم؟ أم أن هناك معايير أخرى لا يعرفها الوسط الإعلامي؟

القضية هنا ليست شخصية. ولو كانت شخصية لسكت الناس عنها. لكنها قضية قومية؛ لأنها تمس الإعلام السوداني في لحظة يحتاج فيها الوطن إلى **توحيد الصف الإعلامي لا إعادة إنتاج الانقسامات داخله*.

ومن حق السيد رئيس مجلس السيادة أن يعلم أن بعض الأصوات داخل الوسط الإعلامي أصبحت ترى أن مستشاريه أو بعض دوائر القرب منه قد تجاوزوا أدوارهم الطبيعية. وإن كان تنظيم هذا الملتقى قد تم بمبادرة أو ترتيب من أحد المستشارين، فإن المطلوب ليس الخصومة معه ولا التشهير به، وإنما **تنبيهه إلى حدود المسؤولية الاستشارية*.

فالمستشار يقدم الرأي والمشورة، ولا يصبح هو الدولة. ولا ينبغي أن يتحول المستشار إلى منفذ، والمنفذ إلى صاحب قرار، وصاحب القرار إلى ممثل وحيد للوسط الإعلامي.

وهنا تكمن الرسالة الأهم للرئاسة: *لا تسمحوا بأن تتحول دائرة المستشارين إلى دائرة مغلقة تعيد تعريف الدولة والمجتمع والإعلام وفق رؤيتها الخاصة.**

وفي المقابل، لا ينبغي أن نغفل الجانب الإيجابي الذي ظهر في الملتقى، وفي مقدمه الاهتمام الذي أبداه السيد رئيس مجلس السيادة بالرموز الإعلامية والوطنية، وزيارته للبروفيسور علي شمو وغيره من رموز الإعلام. مثل هذه الزيارات تحمل رسالة طيبة ومهمة، وتؤكد أن مؤسسة الرئاسة تستطيع أن تفتح أبواباً للحوار مع أهل الخبرة والتاريخ.

لكن الرسالة تكتمل حين تمتد هذه الروح إلى **كل الإعلاميين، لا إلى بعضهم فقط*.

الإعلام السوداني أكبر من لجنة تنظيم، وأوسع من قائمة دعوات، وأعمق من علاقات شخصية. فيه أجيال صنعت الإذاعة والتلفزيون والصحافة، وفيه إعلاميو الولايات، والمراسلون، والمخرجون، والمذيعون، والمنتجون، والباحثون، والإعلاميون الشباب، ومن ظلوا في مواقعهم خلال الحرب، ومن عملوا من خارج البلاد، ومن فقدوا مؤسساتهم ومكاتبهم ومواردهم، ومع ذلك لم يفقدوا إيمانهم برسالة الإعلام.

إذا أردنا فعلاً إعلاماً يواكب مرحلة التعافي وإعادة البناء، فعلينا أن نبدأ من قاعدة بسيطة:

*التعافي لا يبدأ بالإقصاء، والإعلام لا يُبنى بالشللية، والدولة لا تُدار بمنطق «أخوي وأخوك».*

المرحلة المقبلة تحتاج إلى الشمول، والشفافية، وتحديد الأدوار، وإعلان معايير المشاركة، والاستماع إلى الجميع، ثم بناء مؤسسة إعلامية وطنية تستوعب التنوع المهني والجغرافي والتاريخي.

أما أن يتحول ملتقى للإعلاميين إلى ما يشبه «سلطة على الإعلاميين»، فهذه هي النقطة التي تستحق المراجعة.

ولأن السودان في مرحلة حرب وتعافٍ وبناء دولة، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نعيد إنتاج أسباب الفرقة داخل الوسط الإعلامي نفسه.

*الخرطوم عادت، نعم. ولكن ينبغي ألا يعود معها تهميش الولايات، ولا مركزية القرار، ولا ثقافة الإقصاء.*

فالبلد يحتاج إلى إعلام يجمع السودانيين، لا إلى ملتقى يقسم الإعلاميين إلى من يستحق الدعوة ومن لا يستحقها.

وهذه رسالة نرفعها بكل وضوح إلى السيد رئيس
مجلس السيادة:
*راجعوا طريقة إدارة هذا الملف، واضبطوا حدود الأدوار، وافتحوا الباب أمام كل أهل الإعلام، فالإعلام الوطني لا يحتمل أن يصبح ملكاً لأحد.*

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى