
أفكار لميس أدهم بأي ذنبٍ قُتلوا؟
أفكار
لميس أدهم
بأي ذنبٍ قُتلوا؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَزَوالُ الدنيا أهونُ على الله من قتلِ رجلٍ مسلم”.
إذا كانت الدنيا بكل ما فيها أهون عند الله من دم إنسان يُسفك بغير حق، فكيف بدم طفل لم يعرف من الدنيا سوى حضن أمه، ولم يبلغ من العمر ما يكفي ليفهم لماذا يتقاتل الكبار، أو لماذا صار الموت يهبط من السماء على هيئة طائرة مسيّرة؟
اليوم، التاسع عشر من أكتوبر، استيقظت الخرطوم على صوت الموت من جديد. ثلاث أرواح صغيرة أُزهقت في حي امتداد ناصر، ثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم بين عامين وستة أعوام، كانوا بالأمس جزءاً من هذه الحياة، ثم أصبحوا اليوم خبراً موجعاً يُضاف إلى سجل طويل من الفواجع التي لم يعد القلب السوداني يقوى على احتمالها.
ثلاثة أطفال! تأملوا أعمارهم قليلاً. عامان، وأربعة أعوام، وستة أعوام. أعمار تُقاس بالكلمات المتعثرة، والضحكات التي تملأ البيوت. أعمار لا تعرف شيئاً عن السلطة ولا السياسة، ولا عن الخرائط وموازين القوى، ولا عن أسباب حرب لم يكن لأصحابها الصغار رأي في اندلاعها، لكنهم يدفعون ثمنها من أرواحهم.
بأي ذنب قُتلوا؟
ذلك السؤال الذي خلّده القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾.
وما أشبه السؤال اليوم بما كان عليه منذ قرون، وإن اختلفت وسائل القتل وتبدلت وجوه القتلة. فالطفل الذي يُقتل في بيته، أو في مدرسته، أو في طريقه إلى حضن أمه، يظل شاهداً على قسوة عالم سمح للحرب أن تتجاوز كل حد، حتى أصبحت طفولة الإنسان نفسها ميداناً للموت.
للحروب خسائر كثيرة، مدن تُدمّر، وبيوت تُهجر، وأحلام تتبدد، وأوطان تتغير ملامحها. لكن أبشع ما في الحرب أن يموت الأبرياء، وأن يُنتزع الأطفال من الحياة قبل أن يعرفوها. فكل ما تهدمه الحرب قد يجد الإنسان سبيلاً إلى ترميمه، إلا الروح حين تغادر، وإلا قلب أم فقدت طفلها، وإلا ذلك المكان الصغير الذي يتركه الغياب في البيت، فلا يملؤه أحد.
وأفكر اليوم في أمهات هؤلاء الأطفال. في الأيدي التي أعدت لهم طعامهم، وفي الملابس الصغيرة التي ستظل معلقة، وفي الألعاب التي ستبقى حيث تركوها، وفي الأصوات التي اعتادت أن تنادي ” أمي” ثم سكتت إلى الأبد.
أي قلب يحتمل هذا كله؟
كيف تستوعب أم أن طفلها الذي كان قبل لحظات يركض أمامها، أصبح فجأة اسماً في قائمة الضحايا؟ وكيف يمكن إقناعها بأن هناك قضية في هذه الدنيا تستحق أن تُحرم من ضحكته، أو أن تقضي ما تبقى من عمرها تتذكر آخر مرة ضمّته فيها إلى صدرها؟
منذ اندلاع هذه الحرب، ونحن نفقد شيئاً من أرواحنا كل يوم. اعتدنا سماع أخبار النزوح والجوع والقصف والموت، حتى أصبح الخوف الأكبر أن نعتاد المأساة نفسها. أن نقرأ عن مقتل ثلاثة أطفال فنحزن قليلاً، ثم نمضي إلى تفاصيل يومنا، بينما هناك أسر توقفت حياتها عند تلك اللحظة، ولن تعود كما كانت أبداً.
وما أقسى أن تتحول أرواح الناس إلى أرقام، وأن يصبح الأطفال مجرد حصيلة تُعلن في نهاية خبر، دون أن نتذكر أن وراء كل رقم وجهاً، واسماً، وحكاية لم تكتمل.
هؤلاء الأطفال لم يكونوا أرقاماً. كانوا عالماً كاملاً في عيون أمهاتهم، ومستقبلاً ينتظره آباؤهم، وفرحاً صغيراً يسكن بيوتاً أنهكتها الحرب.
وأي مستقبل نرجوه لوطن تُقتل فيه طفولته؟
لقد طال أمد هذه الحرب حتى بات السوداني يخشى على أهله من كل شيء، من الطريق والبيت والسماء، وحتى من لحظات الهدوء التي قد يقطعها انفجار مفاجئ. ولم يعد السؤال متى تنتهي المعارك وحده، بل كم من الأرواح البريئة ستُزهق قبل أن يدرك الجميع أن حياة الإنسان أثمن من كل ما يتنازعون عليه؟
إن حرمة الدم لا تتغير بتغير مواقع القتال، ولا تسقط باختلاف الانتماءات. والطفل السوداني، في الخرطوم أو دارفور أو كردفان أو أي بقعة من هذا الوطن الجريح، له الحق نفسه في الحياة والأمان. لا ينبغي أن يختلف حزننا عليه باختلاف الجهة التي أطلقت النار، ولا أن تتبدل إنسانيتنا بحسب المكان الذي سقط فيه.
وإذا كان للحرب من حسابات لا نفهمها، فإن موت الأطفال لا يحتاج إلى تفسير سياسي كي ندرك فداحته. يكفي أن ننظر إلى أعمارهم لنعرف حجم الخسارة، وإلى وجوه أمهاتهم لنعرف أن في هذه الأرض وجعاً تجاوز كل وصف.
يا رب، ما أثقل هذا الحزن، وما أطول الطريق الذي يمشيه السودان حاملاً أبناءه إلى المقابر.
كنا نحلم أن يكبر أطفالنا في وطن آمن، أن نراهم يحملون حقائب مدارسهم بدلاً من أن نحمل نعوشهم، وأن نحفظ أسماءهم في دفاتر النجاح، لا في قوائم الموتى.
كنا نريد لهم حياة عادية، بكل ما في الحياة من تفاصيل بسيطة. صباحاً بلا خوف، وليلاً بلا انفجارات، وبيوتاً تنام أبوابها مطمئنة.
أليس ذلك أقل ما يستحقه طفل جاء إلى هذه الدنيا؟
رحم الله أطفال الخرطوم، ورحم كل طفل سوداني اختطفته هذه الحرب من حضن الحياة، وربط على قلوب أمهاتهم وآبائهم، وألهم هذا الوطن المكلوم صبراً لا ينفد.
أما السؤال الذي سيظل يطارد ضميرنا، كلما سقط طفل جديد، فلن نجد له جواباً مهما تعددت المبررات:
بأي ذنبٍ قُتلوا؟
ومن يُعيد إلى الأمهات أبناءهن، حين تنتهي الحرب ويعود الجميع للحديث عن السلام؟