الأعمدة

أمي التومة السقدي… يا وجعًا لا ينام نقطة سطر جديد إخلاص محمدابراهيم أبكر

أمي التومة السقدي… يا وجعًا لا ينام

نقطة سطر جديد

إخلاص محمدابراهيم أبكر

 

أمي…

 

يا آخرَ دفءِ العمر،

ويا أولَ الحنان،

ويا وجهًا كان إذا أقبلَ أشرقتْ الدنيا.

 

ثلاثة أشهرٍ وثلاثةٌ وعشرون يومًا…

 

وأنا لم أتعلم بعدُ كيف أعيش من دونكِ.

 

يقولون إن الأيام تُنسي…

 

وكذبوا.

 

الأيام لا تُنسي الأم.

 

الأيام تجعلنا نتقن إخفاء الوجع فقط.

 

أما القلب…

 

فيبقى طفلًا عند قبر أمه.

 

أمي التومة…

 

ستون عامًا كنتِ فيها رفيقة حياتي.

 

لم أفارقكِ شهرًا.

 

واليوم…

 

ثلاثة أشهرٍ وثلاثةٌ وعشرون يومًا مضت دون أن ألمح وجهكِ.

 

دون أن أسمع صوتكِ.

 

دون أن أسمع تلك الكلمة التي كانت تملأ البيت حياة:

 

«تأخرتي وين؟»

 

آه يا أمي…

 

منذ رحيلكِ،

لا أحد يسألني أين تأخرت.

 

ولا أحد ينتظرني.

 

ولا أحد يملأ البيت بذلك الحضور الذي لا يُرى،

لكن غيابه يُرى في كل شيء.

 

أدخل البيت…

 

فأبحث عنكِ.

 

أمرّ من المكان الذي كنتِ تجلسين فيه…

 

فأتوقف.

 

أنظر إلى الأشياء…

 

فأراكِ بينها.

 

أرى ابتسامتكِ.

 

أسمع ضحكتكِ.

 

أشعر كأنكِ ستخرجين من إحدى الغرف وتنادينني:

 

«يا سُكّر… يا آية… يا زهور… تعالوا.»

 

ثم أفيق…

 

فأعرف أن الصوت لم يعد إلا في ذاكرتي.

 

يا أمي…

 

لماذا لم تخبريني أنكِ راحلة؟

 

لماذا أخفيتِ عني وجعكِ؟

 

لو كنتُ أعلم أن الرحيل قريب…

 

ما تركتُ يدكِ.

 

ما غبتُ عنكِ.

 

ما تركتُ لحظة تمرّ دون أن أقول لكِ:

 

أنا هنا يا أمي.

 

كنتُ سأجلس إلى جواركِ.

 

كنتُ سأحكي لكِ كل شيء.

 

كنتُ سأقبّل يديكِ.

 

كنتُ سأقول لكِ:

 

اطلبي…

 

اطلبي ما تشائين.

 

أحضر لكِ السرير.

 

أساعدكِ على النوم.

 

آخذكِ إلى الطبيب.

 

أبحث لكِ عن دواءٍ لركبتكِ.

 

أفعل كل شيء…

 

فقط لا تذهبي.

 

فقط لا تتركيني.

 

لكن الموت…

 

حين يأتي،

لا يسمع توسلاتنا.

 

ولا يمنحنا فرصة أخيرة.

 

يا أمي…

 

أنا موجوعة.

 

موجوعة حدّ أن الكلام نفسه يؤلمني.

 

أبكيكِ…

 

ثم أبكي لأنني بكيتكِ.

 

أنظر إلى صورتكِ…

 

فلا أستطيع.

 

فالصورة تُعيد إليّ وجهكِ،

ثم تذكرني أنكِ لستِ هنا.

 

يا الله…

 

ما أقسى أن يكون وجه من نحب أمام أعيننا،

ولا نستطيع أن نلمسه.

 

ما أقسى أن يكون صوتها محفوظًا في الذاكرة،

ولا نستطيع أن نسمعه.

 

ما أقسى أن نقول:

 

كانت أمي هنا.

 

ولا نستطيع أن نقول:

 

أمي هنا.

 

أمي…

 

لقد أخذ الموت منكِ جسدكِ،

لكنه ترككِ في كل شيء.

 

في قلبي.

 

في ذاكرتي.

 

في البيت.

 

في دعائي.

 

في كل دمعة تنزل من عيني.

 

وفي كل مرة أشتاق فيها إلى حضنكِ.

 

أمي…

 

لو كان الشوق يعيد الراحلين،

لعُدتِ إليّ.

 

ولو كانت الدموع تفتح أبواب القبور،

لطرقتُ قبركِ كل ليلة.

 

ولو كان العمر يُهدى…

 

لأعطيتكِ من عمري ما تبقى، وخذتُ عنكِ الرحيل.

 

لكنها مشيئة الله.

 

فيا رب…

 

إن كان الموت قد أخذ أمي من عيني،

فلا تحرمني منها في آخرتي.

 

اللهم اجعل قبرها نورًا.

 

واجعل وحدتها أنسًا.

 

واجعل نومها راحة.

 

واجعل مقامها الجنة.

 

اللهم إن قلبي لا يزال يناديها…

 

فاجعل دعائي يصل إليها.

 

أمي التومة السقدي…

 

ثلاثة أشهر وثلاثة وعشرون يومًا…

 

وأنا ما زلت أنتظر عودتكِ.

 

ما زلت أفتح الباب في خيالي…

 

وأنتظر أن تدخلي.

 

ما زلت أريد أن أسمع صوتكِ.

 

ما زلت أريد أن تجلسي أمامي.

 

ما زلت أريد أن أقول لكِ:

 

أمي… اشتقتُ إليكِ.

 

لكن…

 

من يسمعني الآن؟

 

أمي…

 

البيت بعدكِ بيتٌ بلا روح.

 

والليل بعدكِ أطول.

 

والفرح بعدكِ ناقص.

 

والحياة بعدكِ ليست كما كانت.

 

رحلتِ أنتِ…

لكن وجع رحيلكِ بقي.

 

وسأظل أحملكِ في قلبي…

 

حتى يجمع الله بيننا.

 

رحمكِ الله يا أمي.

 

رحم الله ضحكتكِ.

 

رحم الله صوتكِ.

 

رحم الله يديكِ.

 

رحم الله وجعكِ الذي لم تخبريني به.

 

رحم الله كل لحظة عشتِها من أجلي.

 

وأنا يا أمي…

لن أنساكِ.

 

سأبكيكِ حين يشتد الشوق.

 

وسأدعو لكِ حين يعجز البكاء.

 

وسأكتب اسمكِ حين تضيق بي الكلمات.

 

حتى آخر العمر…

 

أنتِ أمي.

وأنا ابنتكِ التي ما زالت تنتظر نداءكِ.

 

رحمكِ الله يا التومة…

فقد كان فراقكِ أقسى من أن يحتمله قلبٌ أحبكِ كل هذا الحب.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى