الأعمدة

افكار  لميس أدهم  تجارة الموت

افكار

لميس أدهم

تجارة الموت

الحرب من أبشع ما اخترعه الإنسان، وربما كانت الشيء الوحيد الذي كلما حاولنا أن نجد له مبررا، ازداد قبحا.

 

أفكر أحيانا: ما الذي يمكن أن يكون أثمن من حياة إنسان؟ قطعة أرض؟ كرسي سلطة؟ مال؟ مورد من موارد الأرض؟ حدود رسمها أحدهم ذات يوم على خريطة؟

 

ما الذي يستحق أن تصحو أم فلا تجد ابنها، وأن يعود طفل إلى بيت لم يعد فيه أب، وأن يظل مقعد فارغ على مائدة عائلة يذكرهم كل مساء بأن شخصاً كان هنا… ثم لم يعد؟

 

لا أفهم كيف يستطيع إنسان أن ينظر إلى إنسان آخر، يعرف أنه مثله تماما، له قلب يخاف، وأم تنتظره، وأشخاص يحبونه، وأحلام صغيرة ربما لم يخبر بها أحداً، ثم يقرر أن ينهي كل ذلك في لحظة.

 

لماذا نستعجل الموت؟

 

إنه آتٍ على كل حال.

 

 

سيأتينا يوما، مهما طال الطريق، ومهما احتمينا بالحياة. سيجدنا دون أن نبحث عنه، ودون أن نرسل إليه دعوة.

 

وسيأتي حتى أولئك الذين يتاجرون بالسلاح، الذين يربحون كلما اشتعلت حرب، ويحسبون عدد البنادق ولا يحصون عدد القلوب التي ستتوقف بسببها. سيأتي الذين يفتحون للحروب أبوابها ثم يراقبونها من بعيد، كأن الموت يعرف حدوداً أو يحفظ لأحد حصانته.

 

سيأتيهم اليوم نفسه.

 

فالموت لا يسأل كم جمعت من المال، ولا كم امتلكت من النفوذ، ولا كم حربا أشعلت بعيدا عن بيتك. وفي النهاية، يقف الجميع أمام المصير ذاته: من حمل السلاح ظلماً، ومن باعه، ومن أمر بإطلاقه، ومن كان ضحيته.

 

فأي تجارة تلك التي يكون ثمن أرباحها عمر إنسان؟ وأي مكسب يستحق أن يتحول بيت آمن إلى ركام، وأن تصبح حياة كاملة مجرد رقم يمر سريعا في نشرة أخبار؟

 

لماذا نذهب نحن إلى الموت؟

 

لماذا لا نترك للإنسان فرصته كاملة في الحياة؟ أن يكبر، أن يحب، أن يخطئ، أن يبدأ من جديد، أن يرى أبناءه يكبرون، أن يشيب شعره، أن يجلس ذات مساء أمام نافذته ويتذكر العمر الذي عبره طويلا؟

 

ربما كان يمكن لذلك الشاب الذي مات في حرب أن يصبح أباً رائعاً. وربما كانت الطفلة التي رحلت تحلم أن تصبح طبيبة. وربما كان الرجل الذي سقط يحمل في جيبه قائمة أشياء بسيطة يريد شراءها لأطفاله في طريق العودة.

 

ان الحرب تقتل الأشياء التي لم تحدث بعد قبل ان تقتل الاجساد.

 

تقتل الأعراس التي لم تُقم، والبيوت التي لم تُبنَ، والرحلات التي لم تبدأ، والكلمات التي تأخرنا في قولها، والضحكات التي كان يفترض أن تملأ بيتا في مساء عادي.

 

وهذا، ربما، أكثر ما يخيفني فيها: أن الرصاصة تنهي مستقبلا كاملا كان ينتظر أن يحدث.

 

يقولون: السلطة. يقولون: الأرض. يقولون: الموارد. يقولون: الانتصار.

 

وأظل أسأل: ثم ماذا؟

إذا امتلكتم الأرض، فمن سيعيش فوقها؟ وإذا امتلكتم المال، لمن ستتركونه؟ وإذا وصلتم إلى السلطة فوق كل هذه القبور، أي انتصار هذا الذي يحتاج كل هذا الغياب كي يكتمل؟

 

الأرض باقية. والسلطة زائلة. والمال ينتقل من يد إلى يد. ونحن جميعا عابرون.

 

فلماذا لا نعبر بخفة؟

 

لماذا لا نترك وراءنا بيتا عامرا بدل بيت مهدّم، وطفلا يضحك بدل طفل يتعلم معنى الفقد ولا يعرف معنى الحياة؟

أتمنى أحيانا لو أن العالم يستطيع، ولو ليوم واحد فقط، أن يصمت.

 

أن يضع الجميع أسلحتهم جانبا، ويعود كل واحد منهم إلى بيته.

 

أن يأكل مع أسرته. أن يحتضن أبناءه. أن ينظر طويلا في وجوه الذين يحبهم.

 

ربما حينها سيفهم أن الإنسان الذي يقف في الجهة الأخرى من الحرب يريد الأشياء نفسها.

 

هو أيضا يريد أن يعود إلى بيته.

 

فالموت آتٍ، لا يحتاج منا أن نساعده.

 

أما الحياة، فهي التي تحتاج أن نقاتل من أجلها.

 

فلا تستعجلوا الموت.

 

دعوه يأتي في موعده.

 

وحتى ذلك الحين…

دعونا نعيش.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى