
افكار لميس أدهم *ليت هناك من يسمع*
افكار
لميس أدهم
*ليت هناك من يسمع*
قرأت ما كتبه استاذي الأمير جمال عنقرة عن “البرهان وحكومة البروفيسورات”، وتوقفت طويلا عند الفكرة لا الأسماء، وعند وجع المواطن لا السياسة.
المشكلة في السودان اليوم ليست في البروفيسور لأنه بروفيسور، ولا في صاحب الخبرة لأنه صاحب خبرة، ولا في السياسي لأنه سياسي. المشكلة أبسط من كل ذلك وأصعب في الوقت نفسه: من يستطيع أن يفعل شيئاً لهذا البلد؟
المواطن السوداني الذي أنهكته الحرب لا يسأل الوزير عن شهادته المعلقة على الحائط، ولا عن الجامعات التي درس فيها، ولا عن عدد الألقاب التي تسبق اسمه.
هو يسأل سؤالا واحداً: ماذا فعلت لي؟
هل استطعت أن تجعل الدواء متاحاً؟ هل خففت عنه سعر لقمة العيش؟ هل أعدت مدرسة لأطفاله؟ هل أصلحت مستشفى؟ هل جعلت راتبه يكفي لبضعة ايام من الشهر؟ هل شعر، ولو مرة، أن هناك حكومة تعرف كيف يعيش الناس؟
هذه هي الأسئلة التي لا تحتاج إلى بروفيسور ليشرحها، لأنها مكتوبة كل صباح على وجوه المواطنين.
نحن بلد خرج من حرب لم تترك بيتاً كما كان. بلد فقد أهله بيوتهم وأعمالهم ومدخراتهم، وتفرقت أسر كاملة بين المدن والحدود والمطارات ومخيمات النزوح. في مثل هذا الوقت تحديداً، لا تحتمل الدولة ترف التجارب الطويلة، ولا انتظار أن يتعلم المسؤول كيف تكون المسؤولية.
السودان اليوم يحتاج إلى حكومة تعرفه.
تعرف المرأة التي تقف في صف الخبز، والأب الذي يحسب ثمن الدواء قبل أن يشتريه، والشاب الذي يبحث عن عمل، والمزارع الذي ينتظر الوقود، والموظف الذي أصبح راتبه رقماً لا يكفي حاجاته، والنازح الذي يريد فقط أن يعود إلى بيته فيجد وطناً يمكن أن يبدأ فيه من جديد.
لهذا توقفت عند عبارة الامير عن “وضع الشخص المناسب في المكان غير المناسب”.
هل تصنع الشهادة العظيمة بالضرورة وزيراً ناجحاً؟
كما أن غياب لقب “بروفيسور” لا يعني غياب العلم والكفاءة. إدارة الدولة شيء آخر؛ هي قرار، وتجربة، ومعرفة بالناس، وقدرة على تحويل الكلام إلى فعل والخطط إلى نتائج.
وهنا لا نقلل من قيمة العلماء، بل نحفظ للعلم مكانته. ولكننا أيضاً نحفظ للدولة هيبتها، وللمواطن حقه في أن يرى أثراً لمن يحكمه.
لقد تعب السودانيون من الكلمات الكبيرة.
تعبوا من الوعود التي تبدأ عظيمة ثم تصغر حتى تختفي.
وتعبوا أكثر من أن يكونوا هم دائماً من يدفع ثمن التجربة والخطأ.
بعد كل الذي جرى، لم يعد السؤال: من يحمل أعلى شهادة؟
السؤال: من يحمل هم هذا البلد؟
ومن يعرف الطريق من المكتب إلى السوق، ومن قاعة الاجتماعات إلى المستشفى، ومن التقارير المكتوبة بعناية إلى حياة الناس التي لا تعرف المجاملة.
هنالك حقيقة واحدة الان هي: السودان لا يملك وقتاً كثيراً ليضيعه.
كل يوم يمر بلا إنجاز له ثمن، والمواطن هو من يدفعه.
لهذا، وأنا أقرأ مقال ابي واستاذي، لم أجد في نهايته سوى عبارة واحدة:
ليت هناك من يسمع.
ليس ليسمع جمال عنقرة وحده، ولا كاتباً أو صحفياً بعينه، وإنما ليسمع ذلك المواطن البسيط الذي لم يعد يريد من حكومته معجزة.
يريد فقط أن يشعر أن هناك من يعرف وجعه، ويعرف ماذا يفعل حياله.
*السودان تنقصه اليد التي تعرف ماذا تفعل… ثم تفعل.*