الأعمدة

* *التقارب السوداني الروسي،،ليس انحيازا، بل خيار سيادي* *الطيب قسم السيد*

* *التقارب السوداني الروسي،،ليس انحيازا، بل خيار سيادي*

*الطيب قسم السيد*

إن الاتجاه السوداني نحو روسيا في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ البلاد لا ينبغي أن يُقرأ بمنطق الاصطفاف القديم ولا بمنطق المحاور، بل ينبغي أن يُقرأ كما هو في حقيقته خيارا سياديا لدولة تبحث عن حقها المشروع في تنويع شراكاتها وحماية سيادتها وتحرير قرارها الوطني.

فالسودان لم يذهب إلى موسكو هربا من أحد.. ولا نكاية بآخر أو استبدالا لتبعية بتبعية أخرى بل ذهب إليها وهو يحمل ملف دولته ومظلمة شعبه يريد شريكا يحترم سيادته ولا يملي عليه شروطا تمس كرامته أو يتدخل في شؤونه الداخلية ويفرض عليه تسويات جاهزة تصاغ في غرف مغلقة بعيدا عن إرادة شعبه.

ومن هنا فإن ماشهدته القمة الروسية الأفريقية الثالثة في موسكو من قبل وفد السودان برئاسة الفريق البرهان لم يكن انحيازا لمحور على حساب آخر، بل كان ممارسة طبيعية لحق دولة ذات سيادة في أن تجلس بارادتها مع قوة عظمى عضو دائم في مجلس الأمن الدولي،وتطرح قضيتها بلغة واضحة لا استجداء فيها ولا انكسار، وتقول للعالم إن ما يجري في السودان ليس صراعا على السلطة بين فئتين كما يروج الإعلام المضلل، بل هو حرب وجودية ضد مليشيا متمردة مدعومة خارجيا تسعى إلى تدمير الدولة وتفكيك جيشها وتقويض مقومات حياة شعبها.

ولقد أثبتت التجربة السودانية المريرة أن الحياد المصطنع لم يكن حيادا، وأن الرهان على وعود القوى التي تتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان بينما تغض الطرف عن تمويل وتسليح المليشيا وتوفير الغطاء السياسي لها. فالخيار السيادي هنا ليس موقفا عاطفيا بل هو بحق،موقف استراتيجي يفرضه واقع دولة تُستهدف بالمسيرات التي لا تملكها مليشيا همجية وتُحاصر إعلاميا وسياسيا وتُدفع دفعا نحو القبول بمعادلات تكرس الانهيار، ولذلك كان التوجه نحو موسكو بحثا عن شراكة قائمة على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل، وتبادل المصالح في مجالات الدفاع، وحماية البنية التحتية والطاقة والاقتصاد والتنمية، وهي شراكة لا تطلب من السودان أن يتنازل عن جيشه وتماسك حدته ورهن قراره، بل تعترف له بكل حقوقها التي تقرها المواثيق الوطنية والدولية.

إن من يتهم السودان بالانحياز لأنه انفتح على روسيا يتجاهل حقيقة أن السودان ظل منفتحا على الجميع، وأن بابه لم يُغلق أمام أي دولة تحترم سيادته وتراعي مصالحه. *

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى