
الحل الاقتصادي متاح فما بال البرهان ؟ د. محمد عبد القادر سبيل
الحل الاقتصادي متاح فما بال البرهان ؟
د. محمد عبد القادر سبيل
بقدرما نقف خلف الجيش وقائده في حرب الكرامة، فإننا لا نتوانى في أن نهديه إلى ما أرانا الله من النصح بالحق خاصة ان معركة الاقتصاد المستعرة لا تقل خطورة عن القتال، ومع ذلك تتوالى فيها هزائمنا امام متمردي الصادرات.
ومتمردو الصادرات هم رجال الأعمال الجدد المتخصصون في تصدير الذهب بالذات ثم المواشي والحبوب الزيتية والصمغ والقطن. أولئك هم الذين يستولون اليوم على مليارات الدولارات من عوائد الصادر ويتلاعبون بها ضدنا بدل ان تمتلكها الحكومة ( كما كانت الحال قبل تطبيق سياسة التحرير الاقتصادي اللعينة).
فإذا هدى الله البرهان وحزم أمره ووجه بإنشاء شركة موحدة للتجارة السيادية تتولى وحدها تصدير تلك السلع الخمس وقامت في مقابلها باستيراد السلع الاستراتيجية: الوقود والقمح والادوية ومدخلات الانتاج ومستوردات الدولة.. فسنخرج من الظلمات إلى النور حتماً.
هذا القرار الناجع لا ندري لماذا يؤجله الرئيس البرهان؟ مع أنه الاكسير الشافي والفوري للازمة الاقتصادية التي نتخبط فيها الان: تدهور سعر العملة الوطنية، التضخم/ الغلاء، كثرة الجبايات وارتفاع تكاليف الانتاج والركود الاقتصادي وعجز الدولة عن مواجهة نفقاتها العامة.
بقرار واحد فقط تحل كل هذه المعضلات ويتوقف أنين الجميع الى الابد..
كيف؟:
١. كثرة الجبايات ناجمة عن شح الايرادات الحكومية بسبب عدم وجود استثمارات عامة كبيرة تدر دخلاً مغنياً للدولة فإذا استثمرت الحكومة اغتنت واستغنت عن زيادة الجبايات وارهاق الشعب.
وفي الوقت ذاته توفر الدولة لنفسها ايرادات حقيقية جديدة وضخمة تمكنها من سد عجز الموازنة العامة ( اقصد تخصيص جزء من ايرادات السلع الاستراتيجية التي ستستوردها).
2. احتكار الحكومة عبر (مؤسسة التجارة السيادية) للسلع النقدية: الذهب والمنتجات الحيوانية والحبوب الزيتية والصمغ والقطن سيمكن الدولة من امتلاك ما نقدر قيمته بعشرة مليارات دولار سنويا بحسبان ان صادرات الذهب ستكون بحجم 70 طناً في العام بقيمة ٧ مليار دولار، وبقية الثلاثة مليارات نتوقعها من ايرادات بقية السلع النقدية المذكورة.
وإن مجرد امتلاك الدولة لهذا المبلغ ( ١٠ مليار دولار) سيمكنها لا محالة من الهيمنة التامة على توجيه حركة النشاط الاقتصادي برمته، حيث ستنخفض قيمة الدولار في السوق فوراً لأن تجار السوق سيفقدون حينئذ اهم مصدر للعملة الصعبة وهو عائد الصادر.، كما ان حسن توظيف الحكومة لهذا العائد الضخم سيمكنها من استيراد السلع المهمة بنفسها عبر مؤسسة التجارة السيادية ذاتها : الوقود، القمح، الادوية، مدخلات الانتاج والمستوردات الحكومية. وهذه هي أهم سلع الواردات التي تحتاج الى تمويل وكانت هي المسؤولة عن تزايد الطلب على الدولار في السوق، بل ان الحكومة ذاتها كانت تشتري الدولار لتمويل بعض الواردات وتمويل احتياجاتها من السوق الاسود ( تخيل).
وهكذا بعد تسلم الحكومة لزمام تصدير السلع النقدية الرئيسة ستصبح القوة عند الدولة والدولار عند الدولة والعزة هن الدولة ويتلاشى عندئذ الطلب على العملة الاجنبية في السوق الاسود فينخفض سعرها امام الجنيه بصورة دراماتيكية وسيتباكى تجار الراسمالية الطفيلية ويقدمون التعهدات والاغراءات والتبرعات الداعمة لحرب الكرامة امام باب البرهان وياسر العطا وكباشي وابراهيم جابر ومدراء مكاتبهم من اج إلغاء قرار استلام الدولة لحقها الشرعي وحق الشعب في تصدير السلع النقدية الخمس التي تشكل ثمرة موارد البلاد .
هنا يظهر الحاكم القوي الأمين الذي ينحاز لشعبه الجائع ولدولته المستهدفة واقتصاده البائس، من الحاكم الذي يجامل وتنطلي عليه الألاعيب الخاطفة مثل: دعم الجيش فوراً ودعم الدقيق فورا والتعهد بخفض الدولار فورا (وعلي الطلاق يا سعادتك نحن رقبتنا دي سدادة ماقصرنا زمان وانت عارف لكن برضو شايفين رقبتنا مقصرين وجيش واحد شعب واحد ووو) ثم يتغامزون. والتجارة شطارة وناس السوق من زمان يسمون اصحاب السعادة (الطير الخداري). والله هكذا يسمون ضباط الجيش في السوق. وقد آن الاوان لأن يعرفوا أن التي على الاكتاف صقور كاسرة لا عصافير مهيضة الجناح.
3. إن امتلاك الحكومة للدولار واضطلاعها بمهمة استيراد السلع المهمة سيحفض اسعار السلع المستوردة كما سيخفض سعر الدولار مما يجفف السوق الاسود فلا يجد المغتربون خياراً أفضل من التحويل الرسمى عبر البنوك بالسعر الذي يحدده بنك السودان فيرتفع بالتالي احتياطي النقد الاجنبي ويتوفر التمويل لاستيراد السلع الاخرى ( غير تلك الخمس) على ان يكون تمويل الاستيراد متاحا امام التجار الكبار المؤهلين وحدهم شريطة الالتزام بالنظم .. وهكذا يتفرق صغار تجار الصادر ايدي سبأ ويبقى الرأسماليون الوطنيون الداعمون للاقتصاد الوطني عن جدارة واستحقاق.
على فكرة، بعضهم يدعي أن الجيش نفسه هو من تقوم شركاته بالتصدير ضمن التجار عبر وكلاء. وبعضهم يزعم ان الذهب المهرب الى مصر يذهب برعاية اجهزة نظامية والبعض يقسم اليمين ان مليشيات جبريل ومناوي تقوم هي الأخرى بتنقيب وشراء وتسريب ذهب السودان الى الخارج.
وأما أكثر الشكوك شيوعا فينثرها الناس بقوة حول شركات المؤتمر الوطني ورموزه وشبابه فهم من يهيمنون على ثروات البلاد الآن ويخنقونها بما اوتوا من تمكين مايزال متجذرا في مفاصل الدولة.
ونحن الآن لسنا بصدد تصديق ما يقولون أو نفيه ولكن إذا صحت المزاعم، فهل يتوقع أن يكون قائد حصيف كالبرهان غافلا عنها؟ طبعا لا.
إذاً فما سر صمته والبلاد تنهار اقتصاديا امام عينيه.
الاحتمال القوي والراجح عندي هو خضوعه لمشورة مستشاريه فهؤلاء هم أس المشكلة، لأنهم لا يقترحون قط ان تتولى الدولة تصدير الذهب وبقية السلع النقدية الاربع الاخرى، لشيء في نفس يعقوب والله أعلم. او انهم يقدسون رذيلة التحرير الاقتصادي.
السيد الرئيس البرهان
ارجوك، تجاوز مستشاريك فهم نقطة الضعف بهذا الشأن.
واتخذ فوراً القرار الصحيح المتمثل في: انشاء مؤسسة عامة للتجارة السيادية نكون حكومية ١٠٠% لا تضم اليها تاجرا واحدا ليفسدها بحجة الخبرة فالخبراء كثر سودانيين واجانب . وتكون المؤسسة مسؤولة عن تصدير خمس سلع اولها الذهب والحبوب الزيتية، ومسؤولة في الوقت ذاته عن استيراد خمس سلع استراتيجية اولها المحروقات والقمح. وسترى عند ذلك انفراجة عامة مدهشة وستستغني عن دعم التجار للجيش وستغني عن فرض الجبايات بما في يديك من عوائد الصادر التي ستفيض عن تمويل الوردات المذكورة بمليارين من الدولارات. فهل تجار الصادر الذين اختطفوا ثروة البلاد يتبرعون للجيش بمليارين سنويا؟.
وصية اخيرة:
صدر السلع النقدية واستورد من الدول غير الخاضعة لارهاب امريكا وعقوباتها.
ووجه ايرادات الزكاة كافة لعام واحد نحو تمويل شراء سلع الصادر من السوق المحلي فذلك اقرب للتقوى.
إني لكم ناصح امين.
د. محمد عبد القادر سبيل
خبير اداري ومحلل اقتصادي