الأعمدة

الدكتور أحمد حمد محمد يوسف يكتب:

المولد النبوي بين قرار الدولة وفتاوى التحريم

الدكتور أحمد حمد محمد يوسف يكتب:ا

لمولد النبوي بين قرار الدولة وفتاوى التحريم!

*بقلم: د. أحمد حمد

منذ عقود طويلة، ظل الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف مظهراً بارزاً في الوجدان السوداني. درج السودانيون على إحياء هذه المناسبة بالتجمعات والذكر والمدائح والاحتفالات التي تعبر عن محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وعن ارتباطهم بسيرته وشمائله.
وبما أن الدولة قد أدرجت الاحتفال بالمولد النبوي ضمن المناسبات الرسمية، باعتباره انعكاساً لخصوصية المجتمع السوداني وهويته الدينية والثقافية، فإن احترام هذا القرار يجب أن يكون أصلاً لا مجال فيه للمزايدة أو التشويش.
فقد أقرت حكومة السودان رسمياً اعتبار ذكرى المولد النبوي الشريف عطلة عامة، تقديراً لمكانة هذه المناسبة في وجدان الشعب. ويتم إحياؤها عبر الليالي الدينية، وتلاوة القرآن، وإنشاد المدائح، والأنشطة الدعوية التي تجمع الناس على محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم والتذكير بسيرته وأخلاقه.
وقد تجسد هذا القرار عملياً قبل أيام قلائل في مدينة ود مدني امتداداً لما كان متبع، حيث نظمت الحكومة زفة رسمية للمولد شاركت فيها القوات النظامية والقيادات التنفيذية، في مشهد يؤكد أن المناسبة ليست مجرد احتفال شعبي عابر، وإنما قرار دولة شاركت فيه مؤسساتها.
وفي العاصمة أيضاً، شهد ميدان الخليفة بأم درمان زفة المولد النبوي بحضور جماهيري كبير تقدمه موكب رسمي، في صورة تعكس عمق ارتباط السودانيين بهذه الذكرى وحرصهم على إحيائها عاماً بعد عام.
ومع ذلك، ما زالت فئة تواظب كل عام على إنكار الاحتفال بالمولد، وتصفه بالبدعة والتحريم، وكأن المجتمع السوداني لم يعرف هذه المناسبة ولم يمارسها عبر تاريخه الطويل.
إن الخلاف الفقهي حول بعض صور الاحتفال بالمولد ليس جديداً. هي مسألة اختلف فيها العلماء قديماً وحديثاً، ولكل فريق أدلته واجتهاداته. ومن حق من يرى عدم المشروعية أن يلتزم بقناعته، لكن ليس من حقه أن يحول رأيه الفقهي إلى أداة لإنكار قرار الدولة أو للتشويش على مناسبة رسمية أقرتها وأصبحت جزءاً من الحياة العامة.
والدين الإسلامي أمر بطاعة الله ورسوله وأولي الأمر بالمعروف. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59].
وعليه، فإن القرار الذي اتخذته الدولة باعتماد المولد النبوي مناسبة رسمية وعطلة عامة، ثم نفذته مؤسساتها على أرض الواقع، ينبغي أن يُعامل باعتباره قراراً نافذاً. لا أن يصبح كل عام مادة للتشكيك والطعن والتحريض.
المشكلة ليست في الاختلاف نفسه، وإنما في محاولة فرض رأي فقهي واحد على مجتمع كامل.
فمن أراد ألا يحتفل فله كامل الحق، ولا أحد يجبره على المشاركة. لكنه بالمقابل لا يملك أن يمنع الآخرين من الاحتفال، ولا أن ينصب نفسه وصياً على المجتمع، ولا أن يحول المنبر الديني إلى منصة للطعن في مناسبة أقرتها الدولة منذ عقود.
إن الفتوى شيء، وقرار الدولة شيء آخر. الرأي الفقهي اجتهاد يحتمل النقاش، أما القانون والقرار الرسمي النافذ فيجب احترامه ما دام قائماً ولم يصدر قرار بإلغائه أو تعديله.
احترام الدولة لا يعني منع العلماء من الاجتهاد، كما أن احترام العلماء لا يعني تحويل آرائهم إلى قوانين ملزمة للمجتمع. لكل مقام مقال: للفتوى أهلها، وللقانون مؤسساته، وللدولة قراراتها، وللمجتمع عاداته وموروثه الذي ينبغي التعامل معه بالحكمة.
لقد نزلت الدولة إلى الشارع، ونظمت الاحتفالات، وشاركت مؤسساتها وقواتها النظامية وقياداتها في زفة المولد، وأعلنت المناسبة عطلة رسمية. وبعد كل ذلك، يصبح السؤال مشروعاً: كيف تُستخدم المنابر كل عام للطعن فيه وإنكاره؟
إذا كانت هناك ملاحظات شرعية على بعض الممارسات، فلتُناقش في إطار علمي هادئ. المطلوب ليس إلغاء الخلاف، وإنما وضعه في موضعه الصحيح. من أراد أن يترك الاحتفال فليتركه، ومن أراد أن يحتفل فليحتفل في إطار القانون والضوابط العامة. ولا ينبغي لأحد أن يفرض قناعته على الآخرين بالتشنيع. فالقرار الذي اتخذته الدولة ونفذته مؤسساتها ينبغي أن يحظى بالاحترام. ومن لديه اعتراض فليستخدم الوسائل القانونية والعلمية المتاحة، لا أن يحول الخلاف الفقهي إلى صدام مجتمعي.
وفي النهاية، على الذين يصرون على إنكار الاحتفال بالمولد أن يدركوا أن قناعتهم الفقهية لا تمنحهم حق مصادرة قناعات الآخرين. الفتوى لا تحل محل القانون، والرأي لا يعلو على القرار الرسمي النافذ.
فإن كان الاحتفال لا يعجبهم فليتركوه. وإن كانوا يرونه غير مشروع فليبينوا رأيهم بالحجة والدليل. لكن أن يتحول الأمر إلى إنكار لمناسبة رسمية وتشكيك في الدولة وتشنيع على مجتمع بأكمله.
وفي السودان، حيث ارتبط المولد النبوي بذاكرة المجتمع ووجدانه لعقود، فإن الحكمة تقتضي إدارة هذه المسألة بعقل الدولة، ووعي العلماء، واحترام المجتمع، لا بمنطق الإقصاء والتخوين والتبديع.
الدولة قالت كلمتها، ووضعت قرارها موضع التنفيذ، ونزلت مؤسساتها إلى الشارع لتؤكد ذلك.وهنا يبرز السؤال: إلى أين تنتهي الفتوى ظل قانون أتاح لشعبه أن يحتفل بهذه المناسبة؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى