الأعمدة

*السودان وكونفدرالية القرن الأفريقي: من تشتت الثروات إلى قوة إقليمية* بقلم .. الرشيد امبدي ابوبكر

*السودان وكونفدرالية القرن الأفريقي: من تشتت الثروات إلى قوة إقليمية*

بقلم .. الرشيد امبدي ابوبكر

لم تعد أفريقيا بحاجة إلى شعارات جديدة عن الوحدة بقدر حاجتها إلى مشروعات واقعية تعيد تعريف مصالح دولها. وفي قلب هذه القارة تبرز منطقة القرن الأفريقي، بمفهومها الجغرافي والسياسي الواسع، الممتدة من البحر الأحمر والمحيط الهندي إلى منابع النيل والبحيرات الكبرى، بما تضمه من السودان، وإثيوبيا، وإريتريا، وجيبوتي، والصومال، وجنوب السودان، وكينيا وأوغندا. منطقة بهذا الحجم، وبهذا التنوع السكاني والاقتصادي والجغرافي، يفترض أن تكون قوة عالمية، لكنها ما تزال أسيرة الحدود المغلقة، وضعف التكامل، والصراعات المتكررة.

 

المفارقة أن ما ينقص هذه الدول ليس الموارد، وإنما القدرة على تحويل الموارد المتفرقة إلى قوة مشتركة. فهناك الأراضي الزراعية والمياه والطاقة والمعادن والموانئ والممرات التجارية والأسواق البشرية الضخمة. ومع ذلك، يظل إنتاج كثير من هذه الدول موجهاً إلى الخارج في صورة خام، بينما تستورد المنتجات المصنعة بأضعاف قيمتها، وتظل حركة التجارة البينية محدودة، وكأن الحدود السياسية أقوى من المصالح الاقتصادية المشتركة.

 

من هنا يمكن طرح فكرة تستحق النقاش الجاد: لماذا لا يبدأ القرن الأفريقي مشروعاً تدريجياً لكونفدرالية اقتصادية، على غرار المسار الذي قاد أوروبا من السوق المشتركة إلى الاتحاد الأوروبي؟ لا يتعلق الأمر بإلغاء الدول أو مصادرة سيادتها، وإنما ببناء سوق إقليمية واسعة تبدأ بإزالة العوائق التجارية، وتنسيق الجمارك، وتسهيل حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال، ثم الانتقال إلى مشاريع مشتركة في الطاقة والنقل والزراعة والصناعة والمياه.

 

مثل هذا المشروع سيحوّل الجغرافيا من عبء إلى ميزة. فالسودان، بمساحته وموقعه بين شمال القارة وشرقها ووسطها، وبواجهته على البحر الأحمر، يمكن أن يصبح محوراً للطرق والسكك الحديدية والموانئ وسلاسل الإمداد. وإثيوبيا تمتلك قدرات كبيرة في الطاقة والمياه والسوق، بينما توفر دول الساحل والمحيط الهندي منافذ استراتيجية للتجارة العالمية، وتمثل كينيا وجيبوتي وغيرها بوابات حيوية للأسواق الدولية. أما جنوب السودان وأوغندا، فيمكن أن يشكلا جسراً اقتصادياً نحو قلب القارة.

 

لكن السؤال الأهم: من يبدأ؟ أعتقد أن السودان، بحكم موقعه وعلاقاته التاريخية وتشابك مصالحه مع معظم دول الإقليم، يستطيع أن يطرح المبادرة على الطاولة، لا باعتبارها مشروعاً سودانياً للهيمنة، وإنما دعوة إلى شراكة متوازنة تحفظ سيادة الجميع وتمنح كل دولة فرصة للنمو.

 

إن الكونفدرالية الاقتصادية لا تعني القفز فوق الخلافات السياسية، بل قد تكون وسيلة لتخفيفها. عندما تصبح الحدود جسوراً للتجارة، وتتحول الأنهار إلى مشروعات تعاون، وتصبح شبكات الكهرباء والسكك الحديدية والموانئ مصالح مشتركة، يصبح الاستقرار مصلحة جماعية لا شعاراً دبلوماسياً.

 

والأهم أن هذا التصور يجب ألا يبقى في مستوى الأمنيات. البداية يمكن أن تكون بمؤتمر إقليمي يضم الحكومات والقطاع الخاص والجامعات والمؤسسات المالية، لوضع خريطة للمشروعات ذات الأولوية، وتحديد ممرات التجارة والطاقة، وإنشاء آليات لتمويل البنية التحتية، وتبادل الخبرات، وتسوية النزاعات التجارية. فالمشروعات المشتركة لا تحتاج أولاً إلى وحدة سياسية، بل إلى قناعة بأن ازدهار الجار ليس تهديداً، وأن نجاح دولة في الإقليم يمكن أن يصبح منصة لنجاح الآخرين.

 

وهذا هو جوهر القوة التي تحتاجها المنطقة اليوم. قد يبدو الحلم كبيراً، لكنه ليس مستحيلاً. أوروبا بدأت من مصالح اقتصادية محدودة، ثم بنت مؤسسة غيّرت وجه القارة. والقرن الأفريقي يملك مقومات تجربة مماثلة، إذا امتلكت دوله الإرادة السياسية والرؤية البعيدة. وربما يكون السودان، في هذه اللحظة التاريخية، قادراً على أن يطرح السؤال الذي طال تأجيله: لماذا لا نبني قوة واحدة من ثروات متفرقة، ومستقبلاً مشتركاً من جغرافيا واحدة؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى