الأعمدة

*الضعين تشرب من كأس الهلع والخوف الذي سُقي منه أهل السودان*  *د. الباقر عبد القيوم علي*

 

*همس الحروف*

*الضعين تشرب من كأس الهلع والخوف الذي سُقي منه أهل السودان*

*د. الباقر عبد القيوم علي*

*الضعين هذه الأيام تعيش لحظات من الخوف والرعب تشبه ما عاشه أهل الخرطوم والجزيرة وسنار وكردفان ودارفور ، ولكن هذه المرة فأن الأمر مختلف تماماً ، فالمدينة التي ظلت طيلة أيام الحرب مطمئنة بإعتبارها واحدة من أكبر معاقل المليشيا وحواضنها ، تجد نفسها أمام واقع جديد تتبدل فيه كل موازين القوة .*

 

*وجوه قلقة ومطربة ، وأسر تغادر على عجل ، وأحاديث متداولة عن كثير من أفراد المليشيا هربوا من جبهات القتال في كردفان وهم يحملون أخبار لا تطمئن ، فأسر المليشيا التي تعيش في الضعين تبحث عن طريق يخرجها إلى نيالا ، طلباً للأمان أو هرباً من مصير لا يعرفونه .*

 

*لكن ما يجري لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تبدل في ميزان القوة ، فالقضية الأهم هي عودة سلطة الدولة وبسط هيبتها على الأرض ، فالدولة عندما تستعيد أي مكان من المؤكد ستفرض فيه هيبة القانون ، فالدولة لا تتعامل بمنطق المليشيا ولا بمنطق الإنتقام ، ولكن بمنطق سيادة حكم القانون .*

 

*فالقوات المسلحة ، وفق هذا المنظور ، تخوض حرباً ضد من حمل السلاح في مواجهتها ، ومهمتها المعلنة إستعادة الأراضي وحماية المواطنين وصون سيادة البلاد ، وعندما تستعيد القوات المسلحة أي مدينة أو منطقة ، فإن الرهان الحقيقي ليس فقط على الانتصار العسكري ، لأن للدولة مؤسسات تحل محل الفوضى ، والقانون يحل محل السلاح ، والأمن بحل محل الخوف .*

 

*وهنا يظهر الفارق الذي يجب أن يظل محفوظاً في الذاكرة السودانية ، فالدولة لا تعاقب الناس على إنتماءاتهم ، ولا أن تجعل أبناء الخصوم أسرى لخيارات آبائهم أو ذويهم ، فالدولة هي الدولة بمفهومها الواسع .*

 

*ولعل من الأمثلة الدالة على ذلك ما جرى في إمتحانات الشهادة السودانية ، عندما أُتيح لأبناء أفراد قوات المليشيا التي تقاتل ضد الدولة الجلوس للامتحانات ، ولم يُعاملوا باعتبارهم خصوماً لمجرد صلة القرابة والدم ، وهذا هو معنى أن تكون هناك دولة ، أن تفرق بين من يحمل السلاح ومن لا علاقة له بالقتال ، وأن تبقى حقوق المدنيين محفوظة حتى في أشد مراحل الحرب .*

 

*فالذين عاشوا التهجير والقلق وفقدان الأمان يعرفون جيداً معنى أن يصبح البيت مكان غير آمن ، وأن تتحول الشوارع و الطرقات إلى ملاذ ، وأن تحمل الأسرة بقجها وما تستطيع حمله بحثاً عن مكان أكثر أمناً .*

 

*والضعين باعتبارها من أكبر معاقل المليشيا وحواضنها ، فهي تعيش اليوم لحظة تبدل كبيرة ، وما يحدث فيها يذكرنا بأن القوة ليست هي الضامن دائماً ، وأن موازين الحرب يمكن أن تتغير في أي لحظة وتحت أي ظرف ، وأن المدن التي يعتبرها الناس عصية قد تتغير أحوالها خلال ساعات قليلة .*

 

*ولكن لا ينبغي أن تكون غايتنا أن تتجرع حواضن المليشيا الألم ذاته الذي عانينا منه بالأمس ، فنحن لسنا ضد الناس ، ولكننا فقط ضد من حمل السلاح في وجه الدولة والوطن ، لقد ذاق أهل الخرطوم والجزيرة وسنار وكردفان ودارفور مرارة الخوف والنزوح وفقدان الأمان ، ولا ينبغي أن تتحول تلك المأساة إلى دائرة من الانتقام المتبادل ، فالعدالة التي ننشدها هي ألا يتكرر الألم مرة أخرى ، وأن تتوقف مصادر الخوف في كل السودان ، وأن تستعيد الدولة سلطتها ، وأن يأمن المواطن على نفسه وأهله وبيته في أي شبر من بلادنا .*

 

*فالعدالة التي يطلبها اهل السودان أن تنتهي المليشيا بصورة نهائية ، وأن تستعيد الدولة سلطتها ، وأن يصبح السلاح حكراً على مؤسسات الدولة ، وأن يأمن المواطن على نفسه وبيته وأسرته ، أياً كان موقفه أو إنتماؤه .*

 

*نصر الله قواتنا المسلحة ، والقوات النظامية وحلفاءها ، وهي تستعيد الأرض وتعيد للدولة هيبتها ، ونسأل الله أن يحفظ السودان وأهله ، وأن تكون ختام هذه الحرب عودة الأمن والإستقرار ، وليس إنتقال الخوف من بيت إلى بيت آخر .*

 

*فالنصر الذي يستحق أن يُحتفى به حقاً هو أن يعود الأمن والأمان إلى كل بقعة من بقاع السودان ، وألا نسقي غيرنا من كأس الخوف والرعب الذي شربنا منه ، لأن الدولة أكبر من أن تنتقم بقوة السلاح ، فللدولة مؤسساتها القانونية والعدلية ، التي يجب أن تأخذ مجراها بحق كل من ارتكب جريمةفي حق الشعب ، فالمطلوب أن تعود الدولة دولة ، والقانون قانون ، والأرض لأهلها ، والبيوت لأصحابها ، وأن ينتهي وجود كل من يحمل السلاح في وجه الوطن ، ليبدأ السودان عهداً جديداً لا مكان فيه للمليشيات ، ولا يكون فيه السلاح إلا بيد مؤسسات الدولة .*

 

*نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين*

elbagirabdelgauom@gmail.com

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى