الأعمدة

العزف على الأوتار

العزف على الأوتار
عندما بكي (البيلي) من أجل المعلم!

بقلم:يس الباقر
في قاعة ورشة تطوير التعليم بمدينة الحصاحيصا، وقف الأستاذ مرتضى البيلي أمين عام حكومة ولاية الجزيرة ليتحدث عن أمرٍ يمس شغاف القلب: “رسالة المعلم وتقييم الوالد”. لم يكمل جملته الأولى حتى غالبتُه الدموع، فبكى.
ولم يكن بكاؤه بكاء رجل على معلمه الذي علمه الحروف الأولى. كان بكاءً على زمنٍ مضى، وعلى قيمٍ تآكلت، وعلى رسالةٍ عظيمة كانت تقف شامخة فأصبحت تترنح. كان بكاءً على ذلك المعلم الذي قدم للسودان أطباء يداوون، ومهندسين يبنون، وزراعيين يزرعون، وإداريين يسوسون، وقدم كوكبة نيرة تحمل اليوم على عاتقها أمانة هذا الوطن.
يتذكر (البيلي) وهو في هذا الموقع الرفيع كيف كان المعلم بالأمس. كان هو السيف الذي يُخط، والكلمة التي لا تُرد. كان هو من يُفصل في قضايا القرية، ومن يُصلح بين الناس، ومن يُستشار في صغير الأمر وكبيره. لم يكن محصوراً داخل الفصل يلقي درساً ويخرج، بل كان أباً ثانياً يمسح على رأس التلميذ المتعثر، ويحل مشكلة الأسرة، ويغرس القيم قبل أن يغرس المعلومة.
كان المجتمع كله ينظر إليه بعين التقدير والمهابة. فهو الذي يصنع العقول، ومن يصنع العقل يصنع المستقبل.
ولكن ماذا حدث اليوم؟ لماذا تغيرت الصورة؟
اليوم نقف أمام معلم أنهكته الظروف. معلم يخرج من بيته صباحاً يحمل هم المرتب الذي لا يكفي، وهم المواصلات، وهم الوضع الذي لم يعد كما كان. معلم فقد الكثير وسط زحام الحياة وتغير المفاهيم.
هنا توقف (البيلي) باكياً، كأنه يقول لنا: انظروا إلى الفارق. انظروا إلى من صنعكم كيف أصبح.
وهي دعوة، ليتها تصل إلى كل القائمين على أمر البلاد، بأن لا إصلاح للتعليم بغير إصلاح حال المعلم. لا نهضة بغير أن نعيده إلى مكانته. لا مستقبل بغير أن نقيّم “الوالد” الذي ربّانا.
فالمعلم ليس رقماً في كشف مرتبات، ولا بنداً في ميزانية. المعلم هو الميزانية كلها. هو الاستثمار الذي لا يخسر. هو البذرة التي إن سقيناها اليوم، أظلتنا غداً بظلال أطباء ومهندسين وقادة.
وفي ختام حديثه المتقطع بالدموع، ترك (البيلي) سؤالاً معلقاً في الهواء: إذا كان المعلم هو الوالد الذي علمنا وربانا، فمن الذي سيقوم اليوم بتقييم الوالد؟ ومن الذي سيرد له الجميل؟ هذه أسئلة لم تكن حلولها بيده كأمين عام لحكومة ولاية الجزيرة وحده ولو كان كذلك لوضع قلمه في الكثير من القضايا العالقة التي تتحسسها لجان حقوق ونقابات وإتحادات فهو عبر بصدق عن وضع ليس بإمكانه وحده تغيره ولكن بإرادة الدولة وأزرعها يمكن أن إحداث قفذة في تحسين وضع المعلم.
لعل الإجابة على هذا السؤال هي وضع أول خطوة في طريق العودة إلى الطريق الصحيح أن تبداء بتحسين وضع المعلم ثم تواصل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى