الأعمدة

المقال رقم ( ١٥) بسم الله الرحمن الرحيم جزء من الحقيقة ١٥ لوطني: مقالات بحثية تحليلية لواقع السودان

المقال رقم ( ١٥)

بسم الله الرحمن الرحيم

جزء من الحقيقة ١٥

لوطني: مقالات بحثية تحليلية لواقع السودان

اسباب تخلف الدولة السودانية ؟ عدم كفاءة وفاعلية مؤسسات الدولة في تحقيق اهدافها التي انشات من اجلها

إدارة موارد الدولة ( المال العام ) ( ١٥ )

القروض الخارجية للسودان وإدارة المال العام

القروض الخارجية تعتبر أموال متحصلة أي تعامل معاملة الإيرادات العامة التي تكون تحت تصرف الدولة الا انها مرتبط بشروط واتفاقيات تحدد كيفية استغلاها ويتحتم للدولة المقترضة استرجاعها مع فوائدها كديون واجبة السداد وتأتي أهميتها باعتبارها إحدى أدوات الدولة لتمويل التنمية وسد الفجوات التمويلية وزيادة الإنتاج ودعم الموازنة وتحسين الاقتصاد و كما ذكرنا في المقال السابق يعتبر المال العام مورداً أساسياً لقيام الدولة بوظائفها وعندما لا تكفي الإيرادات العامة لتمويل الاحتياجات التنموية تلجأ الدول إلى الاقتراض الخارجي لتوفير رأس المال اللازم لمشروعات البنية الأساسية والطاقة والزراعة والنقل والمياه وغيرها.

في هذا المقال سوف نقوم بحصر قروض السودان منذ الاستقلال ١٩٥٦ وحتي عام ٢٠٢٦ وفقا للمراجع المتاحة كما اننا سوف نجتهد بالتحليل وفقا للمعطيات المرجعية المتوفرة العلاقة بين حجم التمويل الذي حصل عليها السودان والنتائج التنموية التي تحققت وتراكم المتأخرات وأعباء خدمة الدين وإلى أي مدى نجحت الحكومات السودانية المتعاقبة في تحويل القروض الخارجية إلى أصول إنتاجية وخدمات عامة ومنافع مستدامة للمواطنين مقارنة بتكلفة الاقتراض وأعباء سداد الديون ثم نختم بتوصيات تسهم في الاستغلال الأمثل للقروض وتضمن تحقيق أهدافها . وقبل ان نخوض في امر القروض يجب علينا التمييز بين أربعة مفاهيم مالية مختلفة مرتبطة بالقروض . القرض المعتمد هو المبلغ الذي وافقت الجهة الممولة على إتاحته خلال فترة زمنية متفقة عليه والقرض المسحوب هو المبلغ الذي صُرف فعلياً للمقترض أي المبلغ المستلم كما ان رصيد الدين يعني أصل الالتزامات القائمة والمتأخرات هي المبالغ التي حل موعد سدادها ولم تُسدَّد. كما يجب الفصل بين القروض والمنح غير المستردة وإعادة الجدولة والإعفاءات.

وفقا لبحثنا لم نجد مرجع واحد او قاعدة موحدة مكتملة لجميع اتفاقيات القروض السودانية وشروطها ومبالغها المصروفة ونتائجها وبقدر ما استطعنا حاولنا حصر قروض السودان منذ الاستقلال الي يومنا هذا بالبحث والتدقيق في المراجع والوثائق التي استطعنا الوصول عليها وادناه حصيلة جهدنا :-

1- قروض البنك الدولي :-

قرض السكك الحديدية والنقل المائي بقيمة ٣٩ مليون دولار في عام 1958

مشروع امتداد المناقل للري بقيمة 15.5 مليون دولار في عام 1960

مشروع خزان الروصيرص قرضاً من البنك الدولي بقيمة 19.5 مليون دولار وائتماناً من المؤسسة الدولية للتنمية بقيمة 13 مليون دولار إلى جانب تمويل ألماني ورد في وثائق التقييم بقيمة 19 مليون دولار. في عام ١٩٦١

2- قروض الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي

قرض محطة توليد الكهرباء بالباقير بمبلغ ٥٢ مليون دينار كويتي في عام ١٩٨٨

قرض إمدادات مياه بورتسودان ١٠ ملايين دينار كويتي في عام ٢٠٠٠

قرض تعبيد الطرق الرئيسية ٢٣ مليون دينار كويتي في عام ٢٠٠٢

قرض سد مروي ٤٦ مليون دينار كويتي في عام ٢٠٠٥

قرض مشروع سكر النيل الأبيض ٢١ مليون دينار كويتي في عام ٢٠٠٨

قرض تعلية خزان الروصيرص المرحلة الثانية ٥٨ مليون دينار كويتي في ٢٠٠٨

قرض مجمع سدي أعالي عطبرة وستيت ٥٠ مليون دينار كويتي في عام ٢٠١٢

قرض طرق شرق السودان ٥٤ مليون دينار كويتي في عام ٢٠١٣

قرض خط نقل الكهرباء إلى ولايات دارفور٥٧ مليون دينار كويتي في عام ٢٠١٦

قرض مشروع ري الروصيرص المرحلة الاولي ٦٠ مليون دينار كويتي في عام ٢٠١٦

هذه القيم هي مبالغ أصلية معتمدة وليست بالضرورة المبالغ المصروفة فعلياً. كما تظهر السجلات حالات إلغاء جزئي أو كامل لبعض التمويلات من بينها إلغاء مبلغ 60 مليون دينار كويتي المخصص لمشروع حلقة نقل الكهرباء بجهد 500 كيلو فولت حول الخرطوم وإلغاء نصف التمويل الأصلي لمشروع مياه بورتسودان.

3- قروض صندوق النقد العربي

قرض الإصلاح الاقتصادي و خفض التضخم ودعم احتياطي النقد الأجنبي وتحسين ميزان المدفوعات بقيمة ١٦٦ مليون دولار في عام ٢٠١٥

قرض مواجهة الصدمة المفاجئة في ميزان المدفوعات ١١٥مليون دولار ٢٠١٩ قرض تعويضي

قرض دعم برنامج الإصلاح الاقتصادي وتعزيز الاستقرار المالي ١١٥مليون دولار ٢٠١٩

4- برامج صندوق النقد الدولي

تختلف قروض صندوق النقد الدولي عن القروض المخصصة لمشروعات البنية الأساسية إذ يرتبط كثير منها بميزان المدفوعات والاستقرار الاقتصادي وبرامج الإصلاح المالي والنقدي.

وفي يونيو 2021، وافق الصندوق على تسهيل ائتماني يعادل نحو 2.47 مليار دولار وفق سعر الصرف وقت الموافقة. كان البرنامج يستهدف دعم الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز المالية العامة وتحسين شبكات الأمان الاجتماعي وتطوير الحوكمة ودعم النمو والحد من الفقر.

قرض دعم الإصلاح الاقتصادي وتسوية متأخرات الصندوق وتعزيز الاحتياطيات وتحسين لمالية العامة والحماية الاجتماعية بقيمة ٢.٤٧٣ مليار دولار معتمد في ٢٠٢١ صرف منها ١.٤١٥ مليار عند الموافقة.

تشير البيانات الرسمية إلى أن الدين الخارجي العام والمضمون حكومياً بلغ نحو 56.58 مليار دولار في نهاية عام 2020، وأن نحو 51.88 مليار دولار منه كان في صورة متأخرات ما يعادل ٩١.٧٪. تضمنت المتأخرات مبالغ مستحقة لمؤسسات متعددة الأطراف ودائنين ثنائيين وتجاريين وشملت فوائد وغرامات تأخير متراكمة.

سجلت اتفاقية نادي باريس في يوليو 2021 معالجة ديون بقيمة 22.073 مليار دولار، شملت إلغاء 14.060 مليار دولار وإعادة جدولة 8.007 مليار دولار.

ويشير ذلك إلى أن أزمة الدين لم تكن مجرد مسألة الحصول على قروض جديدة بل ارتبطت أيضاً بالتعثر في الوفاء بالالتزامات على مدى سنوات طويلة وتوضح هذه الأرقام ضخامة مشكلة المديونية الخارجية للسودان .

تتمثل الاثار السالبة للديون في زيادة الالتزامات الخارجية واعباء السداد علي الموازنات المستقبلية كما تأدي الي استنزاف النقد الأجنبي وتوجيه موارد كان يمكن استخدامها في استيراد الغذاء والوقود والدواء الي خدمة دين وأيضا تقليص الانفاق علي الخدمات والمشروعات الإنتاجية عند ارتفاع تكاليف السداد وتسهم في ضعف الاستقلال الاقتصادي فقد ترتبط اكثر القروض بشروط اقتصادية تحد من حرية القرار الوطني كما تسهم القروض و فوائدها في زيادة حجم الفقر والتضخم اذا استخدمت القروض في الانفاق غير المنتج دون زيادة الإنتاج والايرادات.

تكشف المعلومات المتاحة عن وجود تاريخ طويل من الاقتراض لتمويل مشروعات النقل والزراعة والطاقة والمياه والصناعة، إلى جانب تمويلات مرتبطة بالاستقرار الاقتصادي وتسوية الالتزامات السابقة. كما تكشف عن تراكم كبير للمتأخرات، وعن الحاجة إلى التمييز بين تنفيذ المشروعات بنجاح وبين تحقيقها أثراً اقتصادياً واجتماعياً مستداماً.

إن القضية الأساسية في الاقتراض الخارجي ليست مقدار الأموال التي حصل عليها السودان بل كيفية تحويل تلك الأموال إلى منافع مستدامة ومدى تناسب هذه المنافع مع التكلفة المالية والالتزامات التي تتحملها الأجيال اللاحقة غير أن البيانات المتاحة لنا لا تكفي بعد لإصدار حكم شامل على كفاءة جميع القروض أو تحديد مسؤولية الحكومات المتعاقبة عن كل إخفاق اذ يتطلب ذلك استكمال قاعدة البيانات وحصر القروض ومراجعة اتفاقيات التمويل وتقارير التنفيذ والمراجعة لذا لا نستطيع تقييم إلى أي مدى نجحت الحكومات السودانية المتعاقبة في تحويل القروض الخارجية إلى أصول إنتاجية وخدمات عامة ومنافع مستدامة للمواطنين مقارنة بتكلفة الاقتراض وأعباء سداد الديون لعدم توفر المراجع والمعلومات الموثقة عن اتفاقيات القروض الثنائية و تقارير تنفيذ المشروعات و الحسابات الختامية والوثائق الحكومية ذات الصلة كما لا ينبغي إصدار حكم موحد على جميع القروض فقد يكون المشروع ناجحاً من الناحية الفنية لكنه ضعيف العائد المالي أو يحقق منافع اجتماعية مهمة دون أن يولد إيرادات مباشرة أو يتعثر بسبب عوامل خارجية ولذلك يجب أن يستند الحكم إلى طبيعة المشروع وبياناته الفعلية.

كما ينبغي أن يكون تقييم القروض جزءاً من إصلاح شامل لإدارة المال العام يشمل التخطيط وإعداد الموازنة وتنفيذ المشروعات والمشتريات الحكومية والمراجعة والإفصاح، والمساءلة.

ونوصي :-

1- إنشاء سجل وطني موحد لجميع القروض الخارجية، يبين الجهة الدائنة وتاريخ الاتفاقية والقيمة المعتمدة والمصروفة وشروط التمويل والمبالغ المسددة والمتبقية والمتأخرة وربط كل قرض بمشروع أو غرض محدد وإعداد تقرير ختامي يوضح استخدام الأموال والنتائج المحققة.

2- نشر تقارير دورية عن الدين العام وخدمته ومخاطره مع الفصل بين القروض والمنح والمتأخرات وعمليات إعادة الجدولة.

3- إخضاع المشروعات الكبرى لتقييم مستقل بعد التنفيذ ومقارنة النتائج بالأهداف والتكاليف المعتمدة.

4- تعزيز دور المراجعة العامة والرقابة التشريعية والمساءلة المجتمعية، وضمان إتاحة المعلومات الأساسية للمواطنين.

5- عدم الموافقة على قروض جديدة قبل تقييم القدرة على السداد، وتكاليف التمويل، والبدائل المتاحة، والمنافع الاقتصادية والاجتماعية المتوقعة.

6- إعطاء الأولوية للقروض التي توسع الإنتاج والصادرات والإيرادات العامة أو توفر خدمات أساسية مستدامة، مع عدم إهمال المشروعات ذات العائد الاجتماعي المرتفع.

7- اعتماد تقييم كل قرض وفق لخمسة أبعاد مترابطة هي :

1. الملاءمة: هل كان الغرض من القرض متوافقاً مع الأولويات الوطنية واحتياجات المواطنين؟ وهل كان الاقتراض أفضل من البدائل المتاحة؟

2. الكفاءة: هل نُفذ المشروع ضمن التكلفة والمدة المحددتين؟ وهل وُجدت تأخيرات أو تجاوزات أو إلغاءات موثقة؟

3. الفعالية: هل تحققت الأهداف المعلنة؟ مثل زيادة إنتاج الكهرباء أو توسيع الرقعة الزراعية أو تحسين مياه الشرب أو خفض تكلفة النقل.

4. الأثر والاستدامة: هل أسهم المشروع في زيادة الإنتاج والدخل وفرص العمل والإيرادات العامة؟ وهل استمر في تقديم خدماته بعد انتهاء التمويل؟

5. الاستدامة المالية والمساءلة: هل كانت المنافع المتوقعة كافية لتبرير تكلفة التمويل؟ وهل نُشرت حسابات التنفيذ ونتائج المراجعة؟ وهل أمكن تحديد الجهات المسؤولة عن القرارات والتنفيذ؟

 

محمد طه عثمان (السوداني)

خبير اقتصادي واداري وباحث

الإسكندرية : الثالث والعشرون من اكتوبر 2026

تفاعلكم يغذي مداد يراعنا

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى