
الهلال… النحس ام سوء الإدارة إسماعيل شريف
الهلال… النحس ام سوء الإدارة
إسماعيل شريف
بعيدًا عن هلاريخ الكرة السودانية وماضيها الطويل، ربما يكون السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه اليوم مختلفًا تمامًا
لماذا يعجز الهلال السوداني عن تحويل هذه الجماهيرية الهائلة، وهذا التاريخ الكبير، وهذا الحضور المستمر في البطولات الخارجية، إلى بطولة واحدة تزين خزائنه؟
تفاعل كثيرون مع مقالنا السابق «الهلال… متى ينكسر حاجز النحس؟»، وكان من بين التعليقات التي تستحق التوقف عندها تعليق الصديق والكابتن محمد هارون، الذي وضع يده على الجرح مباشرة المشكلة ليست في الهلال وحده، وإنما في الإدارة.
وهنا ربما نقترب من الإجابة الحقيقية.
كرة القدم السودانية، في جانب كبير منها، تعاني المشكلة نفسها التي يعاني منها السودان في إدارة مؤسساته الموهبة موجودة، والموارد موجودة، والجماهير موجودة، لكن الإدارة التي تحول كل ذلك إلى مشروع ناجح غائبة أو متعثرة.
ولذلك فإن الحديث عن «إدارة أجنبية» لا ينبغي أن يُفهم باعتباره دعوة إلى استعمار أو وصاية. المقصود هو الاستفادة من خبرات إدارية محترفة أثبتت قدرتها على بناء المؤسسات الرياضية، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وإخضاع القرار الرياضي لمعايير الاحتراف لا للعلاقات الشخصية أو المزاج أو البحث عن الأضواء.
الهلال ليس فقيرًا في الجمهور.
وليس فقيرًا في المواهب.
وليس فقيرًا في التاريخ.
وليس فقيرًا حتى في الفرص.
لكن السؤال هل أُديرت هذه الإمكانات بالطريقة التي يستحقها نادٍ بحجم الهلال؟
انظروا إلى الأهلي المصري.
لا يحتاج المرء إلى اختراع تجربة جديدة. النموذج موجود أمامنا، وقريب منا، ونجاحه واضح. الأهلي لم يصنع مجده الإفريقي لأنه يمتلك لاعبين أفضل في كل زمان، وإنما لأنه بنى منظومة تستطيع أن تستمر حتى عندما يتغير اللاعب والمدرب ومجلس الإدارة.
وهذه هي الكلمة المفتاحية
المنظومة.
في الهلال كثيرًا ما نتحدث عن اللاعب والمدرب والصفقة، بينما ننسى السؤال الأهم من يدير كل ذلك؟ ومن يضع الخطة؟ ومن يحاسب؟ ومن يحدد الهدف؟ ومن يضمن ألا يبدأ كل مجلس إدارة من الصفر؟
الهلال يحتاج إلى أن يتوقف عن إدارة كرة القدم بمنطق رد الفعل.
الفوز لا يعني أن كل شيء صحيح، والخسارة لا تعني أن كل شيء خاطئ.
والبطولة الخارجية لا تُنتزع بالحماس وحده، ولا بالصفقات وحدها، ولا بالتصريحات، ولا بالفلاشات.
البطولات تُبنى.
ولعل تجربة الهلال نفسها تقدم لنا دروسًا كثيرة.
نتذكر مرحلة الأرباب، وما صاحبها من جدل واستقطاب وقوة حضور إداري، ونتذكر عام 2007، الذي ظل قريبًا من ذاكرة الهلاليين باعتباره أحد المواسم التي كان يمكن أن تذهب بعيدًا لو اكتملت التفاصيل.
ونتذكر أيضًا أجيالًا من اللاعبين الذين امتلكوا ما يكفي لصناعة التاريخ البرنس هيثم مصطفى، سيف مساوي، بشة وغيرهم من النجوم الذين حملوا قميص الهلال وقاتلوا في الملاعب.
ومساوي تحديدًا، صاحب الصورة التي دفعت هذا النقاش إلى مساحة أخرى، لم يكن مجرد مدافع ارتدى شعار الهلال؛ كان أحد اللاعبين الذين حاولوا مع رفاقه أن يصنعوا شيئًا أكبر من مجرد الوصول إلى الأدوار المتقدمة.
لكن الوصول وحده لا يكفي.
الهلال وصل كثيرًا… لكنه لم يصل إلى الكأس.
وهنا يجب أن نكون أكثر قسوة مع السؤال وأقل مجاملة للإجابة التقليدية.
هل يعقل أن يكون كل هذا الفشل الخارجي مجرد «نحس»؟
مرة… ربما.
مرتين… ربما.
ثلاث مرات… يمكن أن نتحدث عن سوء حظ.
لكن عندما يتكرر المشهد عبر أجيال مختلفة، ومدربين مختلفين، ولاعبين مختلفين، ومجالس إدارات مختلفة، فإن تحويل القضية إلى «حاجز نحس» يصبح أسهل من مواجهة الحقيقة.
ربما يكون النحس مجرد الاسم الذي نطلقه على أخطاء لا نريد الاعتراف بها.
الهلال يحتاج إلى مشروع.
مشروع لا يتغير بتغير الرئيس.
مشروع لا يسقط بخروج مدرب.
مشروع لا يجعل كل موسم امتحانًا جديدًا.
مشروع يبدأ من قطاع الناشئين، ويمر بالتعاقدات والإعداد واللياقة والتحليل الفني، وينتهي بطريقة إدارة المباريات الكبيرة والنهائيات.
والأهم من ذلك كله إدارة تعرف أن الهلال مؤسسة جماهيرية واستثمارية ورياضية، وليس منصة للظهور الإعلامي.
الجماهير لا تريد أن ترى الإداري في «الفلاشات» بقدر ما تريد أن ترى الكأس في الخزانة.
وهذه ليست إساءة لأحد، وإنما قاعدة في كرة القدم الحديثة.
الإداري الناجح ليس هو الأكثر ظهورًا، وإنما الذي تستطيع الجماهير أن تكتشف أثره في الملعب حتى لو لم ترَ صورته في الصحف.
ولذلك فإن سؤالنا في المقال السابق
«متى ينكسر حاجز النحس؟»
ربما يحتاج الآن إلى تعديل
متى يكسر الهلال حاجز الإدارة التقليدية؟
لأن الكأس الخارجية لن تأتي لأننا تمنيناها.
ولن تأتي لأن الهلال هو الهلال.
ولن تأتي لأن جماهيره هي الأكبر.
ستأتي عندما يتحول هذا الحب الهائل إلى مؤسسة محترفة تعرف كيف تدير المال، واللاعب، والمدرب، والإعلام، والجمهور، والبطولة، واللحظة الحاسمة.
وعندها فقط قد نكتشف أن المشكلة لم تكن في النحس أصلًا.
ربما كان الكأس ينتظر فقط أن يجد في الهلال إدارة تعرف كيف تأخذه.